نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٥٨ أبو عُبَيْد (د)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٥٨ أبو عُبَيْد (د)(١)
[١] الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلام بن عبد الله.
مولد أبي عبيد سنة سبع وخمسين ومئة.
وصنف التصانيف المُوَنِّقة التي سارت بها الركبان. وله مصنف في القراءات لم
أره، وهو من أئمة الاجتهاد.
له كتاب «الأموال» في مجلد كبير سمعناه بالاتصال. وكتاب «الغريب» مروي
أيضاً، وكتاب «فضائل القرآن» وقع لنا، وكتاب «الظهور»، وكتاب «الناسخ
والمنسوخ» وكتاب «المواعظ»، وكتاب «الغريب المصنف في علم اللسان» وغير
ذلك وله بضعة وعشرون كتاباً.
[٢] قال أبو بكر الأنباري: كان أبو عبيد - رحمه الله - يقسم الليل أثلاثاً فيصلي ثلثه،
وينام ثلثه، ويصنف الكتب ثلثه.
[٣] علي بن عبد العزيز، سمعت أبا عبيد يقول: المتبع السنة كالقابض على الجمر
هو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.
[٤] عبد الله بن العباس الطيالسي، سمعت الهلال بن العلاء الرقي يقول: من الله
على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه بحديث رسول الله ﷺ، وبأحمد
ثبت في المحنة، لولا ذلك كفر الناس، ويحيى بن معين نفى الكذب عن
الحديث، وبأبي عبيد فسّر الغريب من الحديث، ولولا ذلك لاقتحم الناس في
الخطأ.
[٥] وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الحق يحبه الله عز
وجل: أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني وأعلم مني.
[٦] قال أبو العباس ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل، لكان عجباً.
[٧] قال إبراهيم بن محمد النساج: سمعت إبراهيم الحربي يقول: أدركت ثلاثة
(١) انظر السير: ١٠/٤٩٠-٥٠٩
775
تعجز النساء أن يلدن مثلهم: رأيت أبا عبيد، ما مثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث، ما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت أحمد بن حنبل، فرأيت كأن الله قد جمع له علم الأولين، فمن كل صنف يقول ما يشاء، ويمسك ما يشاء.
[١] انصرف يوماً من الصلاة، فمر بدار إسحاق الموصلي، فقالوا له: يا أبا عبيد، صاحب هذه الدار يقول: إن في كتابك (غريب المصنف) ألف حرف خطأ. فقال: كتاب فيه أكثر من مئة ألف يقع فيه ألف ليس بكثير؟ ولعل إسحاق عنده رواية، وعندنا رواية، فلم يعلم، فخطأنا، والروايتان صواب، ولعله أخطأ في حروف، وأخطأنا في حروف، فيبقى الخطأ يسيراً.
[٢] العباس الدوري، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام - وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا - فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحداً يفسره.
[٣] قلت: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً، لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداءً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما إن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها، والرسول ﷺ بلغ، وما تعرض لتأويل، مع كون الباري قال ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. مات سنة أربع وعشرين ومئتين بمكة. بلغ سبعاً وستين سنة، رحمه الله.
776