نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٤٩ عفان (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٤٩ عفان (ع) (١)
[٢] ابن مسلم بن عبدالله مولى عزرة بن ثابت الأنصاري، الإمام الحافظ، محدث العراق، أبو عثمان البصري الصفار، بقية الأعلام. ولد سنة أربع وثلاثين ومئة تحديداً أو تقريباً.
[٣] قال حنبل: حضرت أبا عبدالله وابن معين عند عفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة، وكان أول من امتحن من الناس عفان، فسأله يحيى من الغد بعد ما امتحن، وأبو عبدالله حاضر ونحن معه، فقال: أخبرنا بما قال لك إسحاق؟ قال: يا أبا زكريا لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك، إني لم أجب. فقال له: فكيف كان؟ قال: دعاني وقرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من الجزيرة، فإذا فيه: امتحن عفان، وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه - وكان المأمون يجري على عفان كل شهر خمس مئة درهم - فلما قرأ علي الكتاب قال لي إسحاق، ما تقول؟ فقرأت عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختمتها، فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك. فقلت: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
(١) انظر السير: ١٠/٢٤٢-٢٥٥
761
تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٢٢] فَسَكَتَ عَنِّي، وَانْصَرَفْتُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيَحْيَى.
قُلْتُ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ عَفَّانَ وَارْتِفَاعِ شَأْنِهِ عِنْدَ الدَّوْلَةِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ امْتُحِنٌ وَقَيِّدٌ وَسُجِنٌّ، وَعَفَّانُ فَمَا فَعَلُوا مَعَهُ غَيْرَ قَطْعِ الدَّرَاهِمِ عَنْهُ.
[١] قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ دِيزِيلَ، يَقُولُ: لَمَّا دُعِيَ عَفَّانُ لِلْمِحْنَةِ كُنْتُ آخِذًا بِلِجَامِ حِمَارِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُجِيبَ، فَقِيلَ لَهُ: يُحْبَسُ عَطَاؤُكَ. قَالَ: وَكَانَ يُعْطَى فِي كُلِّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ - فَقَالَ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى دَارِهِ عَدْلَهُ نِسَاؤُهُ وَمَنْ فِي دَارِهِ، قَالَ: وَكَانَ فِي دَارِهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ إِنْسَانًا، فَدَقَّ عَلَيْهِ دَاقُ الْبَابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ شَبَّهْتُهُ بِسَمَّانَ أَوْ زَيَّاتٍ، وَمَعَهُ كَيْسَ فِيهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ ثَبَّتَكَ اللَّهُ كَمَا ثَبَّتَ الدِّينُ وَهَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ.
[٢] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ: حَدَّثَنَا الْقَلَّاسُ قَالَ: رَأَيْتُ يَحْيَى يَوْمًا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ لَهُ عَفَّانُ: لَيْسَ هُوَ هَكَذَا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِّ، أَتَيْتُ يَحْيَى، فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ عَفَّانُ، وَلَقَدْ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدِي عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ عَفَّانُ. قُلْتُ: هَكَذَا الْعُلَمَاءُ، فَانْظُرْ يَا مِسْكِينُ كَيْفَ أَنْتَ عَنْهُمْ بِمَعْزِلٍ.
[٣] قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: طَلَبْتُ عَفَّانَ فِي مَنْزِلِهِ، قَالُوا: خَرَجَ، فَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيلَ: تَوَجَّهَ هَكَذَا، فَجَعَلْتُ أَمْضِيَ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُقَبِّرَةٍ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِ بِنْتِ أَخِي ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، فَبَزَقْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: سَوَّأْتُ لَكَ قَالَ: يَا هَذَا، الْخُبْزَ الْخُبْزَ! قُلْتُ: لَا أَشْبَعُ اللَّهُ بِطَنَكَ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَحْمَدُ: لَا تَذْكُرَنَّ هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ فِي الْمِحْنَةِ مُقَامًا مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ.
مَاتَ عَفَّانُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِئَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا. قُلْتُ: عَاشَ خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
762