تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٥٣ داود بن علي (١)

الصفحات 945–948 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 5 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٥٣ داود بن علي (١)

[١] ابن خلف، الإمام، البحر، الحافظ، عالم الوقت، أبو سليمان البغدادي،

المعروف بالأصبهاني، مولى أمير المؤمنين المهدي، رئيس أهل الظاهر.

مولده سنة مئتين.

قال أبو بكر الخطيب: صنف الكتب، وكان إماماً ورعاً ناسكاً زاهداً، وفي

كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جداً.

قال عمر بن محمد بن بجير الحافظ: سمعت داود بن علي يقول: دخلت

على إسحاق وهو يحتجج، فجلست، فرأيت كتب الشافعي، فأخذت أنظر،

فصاح بي إسحاق: أيش تنظر؟ فقلت: «معاذ الله أن تأخذ إلا من وجدنا متاعنا

عنده» [يوسف: ٧٩]. قال: فجعل يضحك، أو يبتسم. (٢)

[٢] قال أحمد بن كامل القاضي: أخبرني أبو عبد الله الوراق: أنه كان يورق على

داود بن علي، وأنه سمعه يسأل عن القرآن، فقال: أما الذي في اللوح

المحفوظ: فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس: فمخلوق.

[٣] والخوض في هذا خطر. نسأل الله السلامة في الدين. وفي المسألة بحوث

طويلة، الكف عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة.

(١) انظر السير: ١٣ / ١٠٨٩٧.

(٢) طبقات السبكي: ٢/٢٨٥. وقد قال هذا لأن داود كان في أول أمره من المتعصبين للشافعي، الأخذين

بأقواله.

945

[١] قلت: للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود وأتباعه: فمن اعتد بخلافهم، قال: ما اعتدادنا بخلافهم لأن مفرداتهم حُجَّة، بل لتُحكى في الجملة، وبعضها سائغ، وبعضها قوي وبعضها ساقط، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي. ومن أهدرهم، ولم يعتد بهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين، ولا كفرهم بها، بل يقول: هؤلاء في حيز العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيا من العامة عليهم. وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان، كمسح الرجلين، أدبناهم، وعززناهم، وألزمناهم بالغسل جزما.

قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم - يعني نفاة القياس

- لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء.

وقال إمام الحرمين أبوالمعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري

القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون،

مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا

تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.

قلت: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم فأداهم اجتهادهم

إلى نفي القول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله، وندري بالضرورة أن داود

كان يقرى مذهبه، ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد، وكثرة الأئمة بها

وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه، ولا سعوا في منعه

من بثه، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي، شيخ المالكية، وعثمان بن بشار

الأنماطي، شيخ الشافعية، والمروذي شيخ الحنبلية، وابني الإمام أحمد، وأبي

العباس أحمد بن محمد البرتي، شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران

القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي. بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم

946

ابن أصبغ: ذاكرت الطبري - يعني ابن جرير - وابن سُرَيْج، فقلت لهما: كتاب ابن قُتَيْبَة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عُبَيْد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي، وداود ونظرائهما.

ثم كان بعده ابنه أبو بكر، وابن المُغَلِّس، وعدة من تلامذة داود، وعلى أكتافهم مثل: ابن سُرَيْج، شيخ الشافعية، وأبي بكر الخلال، شيخ الحنبلية، وأبي الحسن الكَرْخِي شيخ الحنفية، وكان أبو جعفر الطَّحَاوِي بمصر. بل كانوا يتجالسون ويتناظرون، ويُثَرِّر كل منهم بحججه، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان. بل أبلغ من ذلك، ينصبون معهم الخلاف، في تصانيفهم قديما وحديثا، وبكل حال، فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة، يُشْعَبُ عليهم بها، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح، حيث يفرن: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنه الصحيح من المذهب، أنه يُعْتَبَرُ خلاف داود. ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرا، كما هو الأغلب الأعرف من صَفْوِ الأئمة المتأخرين، الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد الإسفراييني، والماوردي، والقاضي أبي الطيب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مُصَنَّفَاتِهِم المشهورة.

قال: وأرى أن يُعْتَبَرَ قَوْلُهُ إلا فيما خالف فيه القياسَ الجلي، وما أجمع عليه القياسِيُّون من أنواعه، أو بناء على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التَّغَوُّط في الماء الراكد (1) وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في السِّتَّة المنصوص عليها، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به، لأنه مبني على ما يقطع بطلانه.

(1) وهو قول ابن حزم، ونص كلامه في (المحلى): 1/135: (إلا أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجري حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لغرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره.. فلو أحدث في الماء أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء فلا يجزىء حينئذ استعماله أصلا لا له ولا لغيره.

947

قلت: لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقُطِعَ ببطلان قوله فيها، فإنها هَدَّر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عَضَدها نَصٌّ، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تُهْدَر.

وفي الجملة، فداود بن علي بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف، من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين. وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز، والله الموفق.

ونحن: فنحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرف، (١) وفي إنكار العول، وقول طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج (٢)، وأشباه ذلك، ولا نجوّز لأحد تقليدهم في ذلك.

فأما ابنه: مات داود في شهر رمضان سنة سبعين ومئتين.

(١) انظر صحيح مسلم: رقم (٥٩٦) (١٠٢)، وشرح السنة: ٨/٦٠-٦١.

(٢) انظر شرح السنة: ٢/٥-٧.

948

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080