نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٦٠ أَبُوبِكِر (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٦٠ أَبُوبِكِر (١)
[٢] عَبْدُ اللهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ: الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ، شَيْخُ بَغْدَادَ،
أَبُوبِكِرُ السِّجِسْتَانِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ. وَلَدٌ بِسِجِسْتَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِئَتَيْنِ.
وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ، بِحَيْثُ إِنْ بَعْضُهُمْ فَضَّلَهُ عَلَى أَبِيهِ.
[٣] وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلَتِ الْكُوفَةُ وَمَعِي دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَتْ بِهِ ثَلَاثِينَ مَدَّ
بَاقِلًا (٢)، فَكُنْتُ آكِلَ مِنْهُ، وَأَكْتُبُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، فَمَا فَرَغَ الْبَاقِلَا حَتَّى
كَتَبْتُ عَنْهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا بَيْنَ مَقْطُوعٍ وَمُرْسَلٍ.
[٤] قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ: قَدِمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ سِجِسْتَانَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ
يَجِدْهُمْ، فَقَالَ: مَا مَعِي أَصْلٌ. فَقَالُوا: ابْنُ أَبِي دَاوُدَ وَأَصْلُ؟! قَالَ: فَأَثَارُونِي،
فَأَمْلَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ حِفْظِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، فَلَمَّا قَدِمْتُ بَغْدَادَ، قَالَ
الْبَغْدَادِيُّونَ: مَضَى إِلَى سِجِسْتَانَ وَلَعِبَ بِهِمْ، ثُمَّ فَيَجْوَأُ فَيَجْأُ (٣) اكْتَرُوهُ بِسِتَّةِ
دَنَانِيرَ إِلَى سِجِسْتَانَ، لِيَكْتُبَ لَهُمُ النُّسْخَةَ، فَكُتِبَتْ، وَجِيءَ بِهَا، وَعُرِضَتْ عَلَى
الْحِفَاظِ، فَخَطَّوْنِي فِي سِتَّةِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ حَدَّثْتُ بِهَا كَمَا
حَدَّثْتُ، وَثَلَاثَةُ أَخْطَأْتُ فِيهَا.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَالُ: كَانَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ إِمَامَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمِنْ
(١) انظر السير: ١٣ / ٢٢١-٢٣٧.
(٢) الباقلاء: باللهجة العراقية: القول.
(٣) الفيج: الجماعة من الناس.
960
نصب له السلطان المنبر، وقد كان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو.
[١] أبو حفص بن شاهين، قال: أملى علينا ابن أبي داود سنين، وما رأيت بيده كتابا، إنما كان يملي حفظا، فكان يقعد على المنبر بعدما عمي، ويقعد دونه بدرجة ابنه أبو معمر - بيده كتاب - فيقول له: حديث كذا، فيسرده من حفظه، حتى يأتي على المجلس.
[٢] علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت أبا داود يقول: ابني عبدالله كذاب. قال ابن صاعد: كفانا ما قال فيه أبوه.
قال الحافظ ابن عدي: كان في الابتداء ينسب إلى شيء من النصب، فنفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، فرده ابن عيسى، فحدث، وأظهر فضائل علي ثم تحنبل، فصار شيخا فيهم.
قلت: كان شهما، قوي النفس، وقع بينه وبين ابن جرير، وبين ابن صاعد.
[٣] قلت: لعل قول أبيه فيه - إن صح - أراد الكذب في لهجته، لا في الحديث، فإنه حجة فيما ينقله، أو كان يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدا، فهو أرعن، نسأل الله السلامة من عثرة الشباب، ثم إنه شاخ وارعوى، ولزم الصدق والتقى.
[٤] قال محمد بن عبدالله بن الشخير: كان ابن أبي داود زاهداً ناسكا، صلى عليه يوم مات نحو من ثلاثة مئة ألف إنسان، وأكثر.
قال: ومات سنة ست عشرة وثلاث مئة، وخلف ثلاثة بنين، وخمس بنات، وعاش سبعا وثمانين سنة، وصلي عليه ثمانين مرة.
[٥] قال أبو أحمد بن عدي: سمعت علي بن عبدالله الداهري يقول: سألت ابن
(١) النصب: أي بغضة علي رضي الله عنه، من نصب فلان لفلان نصباً، إذا قصد له، وعاداه، وتجرد له.
961
أبي داود عن حديث الطير (١)، فقال: إن صح حديث الطير فَنُبُوَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم باطل، لأنه حكى عن حاجب النبي صلى الله عليه وسلم خيانة - يعني أنسا - وحاجب النبي لا يكون خائنا.
قلت: هذه عبارة رديئة، وكلام نَحْسٌ، بل نُبُوَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم حَقٌّ قطعي، إن صح خبر الطير، وإن لم يصح، وما وجه الارتباط؟ هذا أنس قد خَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحتلم، وقبل جريان القلم، فيجوز أن تكون قصة الطائر في تلك المدة. فَرَضْنَا أنه كان محتلما، ما هو بمعصوم من الخيانة، بل فَعَلَ هذه الجناية الخفيفة متأولا، ثم إنه حَبَسَ عليَّا من الدخول كما قيل، فكان ماذا؟ والدعوة النبوية قد نفذت واستُجِيبت، فلو حبسه، أورده مرّات، ما بقي يتصور أن يدخل ويأكل مع المصطفى سواه، اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد بقوله: «إيتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي» عددا من الخيار، يصدق على مجموعهم أنهم أحب الناس إلى الله، كما يصح قولنا: أحب الخلق إلى الله الصالحون، فيقال: فمن أحبهم إلى الله؟ فنقول: الصديقون والأنبياء. فيقال: فمن أحب الأنبياء كلهم إلى الله؟ فنقول: محمد وإبراهيم وموسى، والخطب في ذلك يسير. وأبو لبابة - مع جلالته - بدت منه خيانة، حيث أشار لبني قريظة إلى خلقه، وتاب الله عليه. وخاطب بدت منه خيانة، فكاتب قريشا بأمر تخفى به نبي الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، وغفر الله لحاطب مع عظم فعله رضي الله عنه. وحديث الطير - على ضعفه
(١) وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم له فرخ مشوي، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فقلت: اجعله رجلا من أهلي الأنصار، فجاء علي، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة، ثم جاء، فقلت ذلك، فقال: اللهم ائتني كذلك، فقلت ذلك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افتح، فدخل فقال: ما حبسك يا علي؟ فقال: إنه هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: أحببت أن يكون رجلا من قومي، فقال: إن الرجل محب قومه» وانظر أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث وقعت في المصابيح ٣١٣/٣، ٣١٤ (والفوائد المجموعة) ص ٣٨٢. وسيذكر المصنف رأيه بعد قليل.
962
- فله طرق جَمَّة، وقد أفردتها في جُزء، ولم يُثْبِتْ، ولا أنا بالمعتقد بُطْلَانَه، وقد [١] أخطأ ابن أبي داود في عبارته وقوله، وله على خطئه أجر واحد، وليس من شرط الثقة أن لا يُخطيء ولا يُغْلَط ولا يُسْهو. والرجل فمن كبار علماء الإسلام، ومن أوثق الحفَّاظ - رحمه الله تعالى -.
963