نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٦٦ بَقِيُّ بن مَخْلَد (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٦٦ بَقِيُّ بن مَخْلَد (١)
[٢] ابن يزيد: الإمام، القدوة، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ، صاحب «التفسير» و «المُسند» اللذين لا نظير لهما. ولد في حدود سنة مئتين، أو قبلها بقليل. وعني بهذا الشأن عناية لا مزيد عليها، وأدخل جزيرة الأندلس علماً جماً، وبه، وبمحمد بن وضاح صارت تلك الناحية دار حديث، وعدة مشيخته الذين حمل عنهم مئتان وأربعة وثمانون رجلاً.
(١) انظر السير: ١٣ / ٢٨٥-٢٩٦.
972
وكان إماما مجتهدا صالحا، ربّانياً صادقا مُخْلِصا، رأساً في العلم والعمل،
عديم المثل، مُنْقَطِع القَرِين، يفتي بالأثر، ولا يُقَلِّد أحدا.
ذكره أحمد بن أبي خَيْثَمَة، فقال: ما كنا نسميه إلا المِكْنَسَة، وهل احتاج
بلد فيه بَقِيّ إلى أن يَرْحَل إلى ها هنا منه أحد؟!
وقال أبو الوليد بن الفَرَضِي في «تاريخه»: ملا بَقِيّ بن مَخْلَد الأندلس حديثا،
فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون: أحمد بن خالد، ومحمد بن الحارث، وأبوزيد،
ما أدخله من كُتُب الاختلاف، وغرائب الحديث، فأغَرُّوا به السلطان وأخافوه به،
ثم إن الله أظهره عليهم، وعصمه منهم، فنشر حديثه وقرأ للناس روايته. ثم تلاه
ابن وَضَّاح، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد. ومما انفرد به ولم يدخله
سواه «مصنف» أبي بكر بن أبي شَيْبَة بتمامه، و «كتاب الفقه» للشافعي بكماله
- يعني «الأم» - و «تاريخ» خليفة، و «طبقات» خليفة، وكتاب «سيرة عمر بن
عبد العزيز»، لأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي... وليس لأحد مثل «مُسْنَدَة». وكان
ورعا فاضلا زاهدا.. قد ظَهَرَت له إجابات الدعوة في غير ما شيء.
قال الإمام أبو محمد بن حَزْم الظاهري: أَقْطَعُ أنه لم يُؤَلِّف في الإسلام مثل
«تفسير» بَقِيّ، لا «تفسير» محمد بن جَرِير، ولا غيره.
[١] قال: وكان محمد بن عبد الرحمن الأُمَوِيُّ صاحب الأندلس مُحبا للعلوم
عارفا، فلما دخل بَقِيّ الأندلس «بمصنف» أبي بكر بن أبي شَيْبَة، وقرىء عليه،
أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه، ونَشَطوا العامة عليه،
ومنعوه من قراءته، فاستحضره صاحب الأندلس محمد وإياهم، وتصفح الكتاب
كُلُّهُ جُزْءاً جُزْءاً حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لا
تستغني خِزَانَتُنا عنه، فانظر في نَسْخِهِ لنا، ثم قال لبَقِيّ: انشر عِلْمَك، وارو ما
عندك. ونهاهم أن يتعرّضوا له.
[٢] وذكر عبد الرحمن بن أحمد، عن أبيه: أن امرأة جاءت إلى بَقِيّ، فقالت:
إن ابني في الأسر، ولا حيلة لي، فلو أشرت إلى من يُفْدِيهِ، فإنني والِهَةُ. قال:
973
نعم، انصرفي حتى أنظر في أمره. ثم أطرق، وحرك شفتيه، ثم بعد مدة جاءت المرأة بابنها، فقال: كنت في يد ملك، فبينا أنا في العمل، سقط قيدي. قال: فذكر اليوم والساعة، فوافق وقت دعاء الشيخ. قال: فصاح علي المُرَسَّم بنا، ثم نظر وتحير، ثم أحضر الحداد وقيدني، فلما فرغه ومُشَيَّت سقط القيد، فبهتوا، ودعوا رهبانهم، فقالوا: ألك والدة؟ قلت: نعم، قالوا: وافق دعاءها الإجابة.
[١] وكان بقي أول من كثر الحديث بالأندلس ونشره، وهاجم به شيوخ الأندلس، فثاروا عليه، لأنهم كان علمهم بالمسائل ومذهب مالك، وكان بقي يفتي بالأثر، فشد عنهم شذوذا عظيما، فعقدوا عليه الشهادات، وبدعوه، ونسبوا إليه الزندقة، وأشياء نزّه الله منها. وكان بقي يقول: لقد غرست لهم بالأندلس غرسا لا يقلع إلا بخروج الدجال.
[٢] قال ابن حزم: و «مُسند» بقي روى فيه عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه، فهو مُسند ومُصنَّف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه، وإتقانه واحتفاله في الحديث. وله مُصنَّف في فتاوى الصحابة والتابعين فمن دونهم، الذي قد أربى فيه على «مُصنَّف» ابن أبي شيبة، وعلى «مُصنَّف» عبد الرزاق، وعلى «مُصنَّف» سعيد بن منصور... ثم إنه نوه بذكر «تفسيره»، وقال: فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام، لا نظير لها، وكان متخيرا لا يقلد أحدا، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل، وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي. [٣] قال ابن البادية الحافظ: كان بقي من عقلاء الناس وأفاضلهم، وكان أسلم ابن عبد العزيز يقدمه على جميع من لقيه بالمشرق، ويصف زهده، ويقول: ربما كنت أمشي معه في أزقة قرطبة، فإذا نظر في موضع خال إلى ضعيف محتاج أعطاه أحد ثوبيه.
974
[١] وذكر أبو عبيدة، قال: كان بَقِيٌّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ مِئَةَ رَكْعَةٍ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ. وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ، فَاضِلًا، يَذْكُرُ عَنْهُ أَنَّهُ رَابِطُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ غَزْوَةً.
[٢] ونقل بعض العلماء من كتاب لحفيد بَقِيٍّ عبد الرحمن بن أحمد: كان جَدِّي قَدْ قَسَّمَ أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ: فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، سُدِّسَ الْقُرْآنَ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ - وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطُّلْبَةُ - فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالْأَذَانِ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يُسْمِعُ إِلَى الْعَصْرِ، وَيُصَلِّي وَيُسْمِعُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ، ثُمَّ يَقُومُ. هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. وَكَانَ جَلْدًا، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ،
[٣] قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى الْبِيرَةِ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِئَتَيْنِ.
975