نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٥٦ الخبيث (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٥٦ الخبيث (١)
[١] هو طاغية الزنج، علي بن محمد بن عبد الرحمن العبدي، من عبد القيس. افترى، وزعم أنه ولد زيد بن علي العلوي، وكان منجما طرفياً ذكياً، حُرورياً (٢) ماكرا، داهية منحلا، على رأي فجرة الخوارج، يتستر بالانتماء إليهم، وإلا فالرجل دهري فيلسوف زنديق. ظهر بالبصرة، واستغوى عبيد الناس وأوباشهم، فتجمع له كل لص ومريب، وكثروا، فشد بهم على أهل البصرة، وتم له ذلك، واستباحوا البلد، واسترقوا الذرية، وملكوا، فانتدب لحربهم عسكر المعتمد، فالتقى الفريقان، وانتصر الخبيث، واستفحل بلاؤه، وطوى البلاد، وأباد العباد، وكاد أن يملك بغداد، وجرت بينه وبين الجيش عدة مصافات، وأنشأ مدينة سماها: المختارة، في غاية الحصانة، وزاد جيشه على مئة ألف، ولولا زندقته ومروقه لاستولى على الممالك.
قال نفطويه: كان أولاً بواسط، وربما كتب العوذ، فأخذه محمد بن أبي عون، فحبسه، ثم أطلقه، فما لبث أن خرج واستغوى الزنج - يعني: عبيد
(١) انظر السير: ١٣ / ١٢٩-١٣٦.
(٢) نسبة إلى الحرورية: وهم الخوارج الذين خالفوا علياً رضي الله عنه - بعد رجوعه من صفين إلى الكوفة، إذ انحازوا إلى «حروراء» موضع بظاهر الكوفة، وكان أول اجتماعهم به، فسموا «الحرورية».
951
الناس والذين يُكسحون ويُزبلون (١) - فصار من أمره ما صار، وخافته الخلفاء، ثم أظفرهم الله به بعد حروب تشيب النواصي.
وقتل والله الحمد في سنة سبعين ومئتين، وله ثمان وأربعون سنة.
ولو أفردت أخباره ووقائعه لبلغت مجلدا. وكان مُفرط الشجاعة، جرياً داهية. [١] رُئي أبوه أنه بال في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بولة أحرقت نصف الدنيا.
وكانت أم الخبيث تقول: لم يدع ابني أحدا عنده علم بالرّي حتى خالطهم، ثم خرج إلى خراسان، فغاب عني سنتين، وجاء، ثم غاب عني غيبته التي خرج فيها، فورد عليّ كتابه من البصرة، وبعث إليّ بمال، فلم أقبله، لما صح عندي من سفكه للدماء، وخرابه للمدن.
قلت: وكان أبوه داهية شيطانا كَوْلَده. فقال عليّ: مرضت وأنا غلام، فجلس أبي يعودني، وقال لأمي: ما خبره؟ قالت: يموت. قال: فإذا مات، من يُخربُ البصرة؟ قال: فبقي ذاك في قلبي.
[٢] قلت: بعد مصرع المتوكل وابنه، وأولئك الخلفاء المستضعفين المقتولين، نقص أمر الخلافة جدا، وطمع كل شيطان في التوثب، وخرج الصفار بخراسان، واتسعت ممالكه، وخرج هذا الخبيث بالبصرة، وفعل ما فعل. وهاجت الروم، وعَظُمَ الخطبُ.
[٣] ثم بعد سنوات ثارت القرامطة والأعراب، وظهر بالمغرب عبيد الله، الملقب بالمهدي، وتملك. ثم دامت الدولة في ذرية الباطنية إلى نور الدين، رحمه الله.
[٤] فادّعى بعد الخمسين هذا الخبيث بهجر (٢) أنه علي بن محمد بن الفضل بن حسين بن عبدالله بن عباس بن علي بن أبي طالب. ودعا إلى نفسه، فمال إليه
(١) الكُشْح: الكنس. والكساحة: الكناسة. ويُزبلون. أي: يصلحون الأرض بالزبل. (٢) هجر: مدينة في البحرين.
952
رئيس هَجَر، ونابذه قوم، فاقتتلوا، فتحول إلى الأحساء، واعتصم ببني الشمّاس، وإنما قصد البحرين لغباوة أهلها، ورواج المخاريق عليهم، فحل منهم محل نبيّ، وصدقوه بمَرّة، ثم تنكروا له لدبره، فشَخَّصَ إلى البادية يستغوي الأعاريب بنفوذ حيله، وشَعُودَتَه، واعتقدوا فيه أنه يعلم منطق الطير، وجعل يُغير على النواحي، ثم تمّت له وقعة كبيرة، هُزم فيها وقتل كُبراء أتباعه، وكرهته العرب.
[١] وذهب إلى بغداد فأقام سنة يستغوي الناس ويُضِلُّهم، فاستمال عِدَّة من الحاكَة بمخاريقه، والجَهَلَة أسبق شيء إلى أرباب الأحوال الشيطانية، ومات مُتَوَلِّي البصرة، وهاجت الأعراب بها، وفتحوا السجون، فتخلص قومه فبادر إلى البصرة في رمضان سنة خمس، وحوله جماعة، واستجاب له عبيدٌ زُيُوج للناس، فأفسدهم وجسّرهم، عمد إلى جريدة، فكتب على خرقة عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وكتب اسمه، وخرج بهم في السحر لليلتين بقيت من رمضان في ألف نفس، فخطبهم، وقال: أنتم الأمراء وستملكون.. ووعدهم، ومنّاهم.
ثم لم يزل ينهب ويغير، ويكثر جمعه من كل مائق (١) وقاطع طريق، حتى استفحل أمره، وعظمت فتنته، وغنم الخيول والسلاح، والأمتعة والأموال والمواشي. وصار من الملوك... وصار كلما حاربه عسكر وانهزموا، فرّ إليه غلمان العسكر. فحشد له أهل البصرة في ذي القعدة من العام، والتقوّا، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة، ووقع رعبُه في النفوس، فوجّه الخليفة جيشاً، فما نفعوا.
ثم أخذ الأهواز، فخافه أهل البصرة، وانجفلوا، فأخذها بالسيف في شوال، سنة سبع وخمسين، وقت صلاة الجمعة، وهرب جُنْدُها فأحرق الجامع بمن حوى، ولم تزل الحرب بينه وبين الموفق سجّالا.
(١) مائق: حاقد، والمآفة: الحقد.
953
واستباح واسط في سنة أربع وستين، وحصل للخبيث جواهر وأموال، فاستأثر بها، فأنكر عليه المتقشفون من أصحابه، وذكروا له سيرة أبي بكر وعمر، فقال: ليس فيهما قُدوة.
وادعى أنه هو عبدالله المذكور في: ﴿قل أوحي﴾ [الجن: ١] وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يمتاز عليه إلا بالنبوة.
وزعم أنه تكلم في المهد، صبح به: يا علي! فقال: يا لبيك. وكان يجمع اليهود والنصارى، يسألهم عما في التوراة والإنجيل من ذكره، وهم يسخرون منه، ويقرؤون له فصولا، فيدعي أنها فيه. وزاد من الإفك، فنفرت منه قلوب خلق من أتباعه ومقتوه. وبقي الموفق يكرم كل من فر إليه، ويخلع عليهم. وكتب إلى الخبيث يدعوه إلى التوبة من ادعاء مخاطبة الملائكة، ومن تحريفه القرآن وضلالته، فما أجاب بشيء، وحصن مدينته (المختارة) التي ينهر أبي الخصيب، حتى بقيت يضرب بها المثل، ونصب فيها المجانيق والأسلحة بما يهر العقول، وبها نحو مثني ألف مقاتل، فما قدر عليها الجيش إلا بالمطاولة، وأنشأ تلقاءها الموفق مدينة وسكنها، ولم يزل إلى أن أخذ (المختارة) فهرب الخبيث إلى مضائق في نهر أبي الخصيب، لا تصل إليها
سفينة ولا فارس، ثم برز في أبطاله، وقاتل أشد قتال، وهو يقول: وعزيمتي مثل الحسام، وهمتي نفس أصول بها كنفس القسور وإذا تنازعني أقول لها اسكتي قتل يريحك أو صعود المنبر
954