نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٩١ - الخطيب (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٩١ - الخطيب (١)
[٣] الإمام الأوحد، العلّامة المفتي، الحافظ الناقد، محدّث الوقت أبوبكر،
أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفّاظ.
وُلد سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة. سمع وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وكتب الكثير وتقدم في هذا الشأن، وبذ الأقران، وجمع وصنّف وصحّح،
وعلل وجرّح، وعدّل وأرخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق.
وكان من كبار الشافعية.
قال أحمد بن صالح الجيلي: تفقه الخطيب، وقرأ بالقراءات وارتحل وقرب
(١) انظر السير: ١٨ / ٢٧٠-٢٩٧.
1288
من رئيس الرؤساء، (١) فلما قبض عليه البساسيري استتر الخطيب، وخرج إلى صور، وبها عز الدولة، أحد الأجواد، فأعطاه مالاً كثيراً. عمل نيفاً وخمسين مصنفاً وانتهى إليه الحفظ. وأوقف كتبه، واحترق كثير منها بعده بخمسين سنة. [١] قال عبد العزيز بن أحمد الكتاني: وكان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري، رحمه الله.
قلت: صدق. فقد صرح الخطيب في أخبار الصفات أنها تمر كما جاءت بلا تأويل.
[٢] قال الحافظ ابن عساكر: سمعت الحسين بن محمد يحكي، عن ابن خيرون أو غيره، أن الخطيب ذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات: أن يحدث بـ «تاريخ بغداد» بها، وأن يُملي الحديث بجامع المنصور، وأن يُدفن عند بشر الحافي. فقُضيت له الثلاث.
[٣] قال المؤتمن: سمعت عبد المحسن الشيعي يقول: كنت عديل (٢) أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة.
[٤] وقد كان رئيس الرؤساء تقدم إلى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثاً حتى يعرضوه عليه، فما صححه أورده، وما رده لم يذكروه. وأظهر بعض اليهود كتاباً ادعى أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة، وذكروا أن خط علي - رضي الله عنه - فيه. وحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء فعرضه على الخطيب، فتأمله، وقال: هذا مزور، قيل: من أين قلت؟ قال: فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح، وفتحت خيبر سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ ومات يوم بني قريظة، قبل خيبر بستين، فاستحسن ذلك منه.
(١) هو أبو القاسم علي بن الحسن بن المسلمة.
(٢) أي معادله في الركوب في المحمل.
1289
[١] وقال ابن الأَبْنُوسِيّ: كان الحافظُ الخطيبُ يَمْشِي وفي يده جُزْءٌ يُطالعه. [٢] وقال المؤتمن: كان الخطيبُ يقولُ: من صَنَّف فقد جعل عقله على طبقٍ يعرضه على الناس.
[٣] مكي بن عبد السلام الرُّميلي قال: كان سببُ خروجِ الخطيبِ من دمشق إلى صور، أنه كان يختلف إليه صبيٌّ مليح، فتكلم الناسُ في ذلك، وكان أميرُ البلد رافضياً مُتَعَصِّباً، فبلغته القصةُ، فجعل ذلك سبباً إلى الفتك به، فأمر صاحبُ شُرطته أن يأخذ الخطيبَ بالليل، فيقتله، وكان صاحبُ الشُرطةُ سُنِّياً، فقصده تلك الليلةَ في جماعة، ولم يُمكنه أن يُخالفَ الأميرَ، فأخذه، وقال: قد أُمِرْتُ فيك بكذا وكذا، ولا أجدُ لك حيلةً إلا أني أعبرُ بك عند دار الشريفِ ابن أبي الجن. فإذا حاذيتُ الدارَ اقفِزْ وادْخُلْ، فإني لا أطلبُك، وأرجعُ إلى الأميرِ، فأخبره بالقصة. ففعل ذلك، ودخل دارَ الشريفِ، فأرسل الأميرُ إلى الشريفِ أن يبعثَ به فقال: أيها الأمير! أنت تعرفُ اعتقادي فيه وفي أمثاله، وليس في قتله مصلحةً، هذا مشهورٌ بالعراق، إن قتلته، قُتل به جماعةً من الشيعة، وخُربتِ المشاهد. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن يُنزحَ من بلدك. فأمر بإخراجه، فراح إلى صور وبقي بها مدة.
قال ابنُ الطاهر: سألتُ هبةَ الله بنَ عبد الوارثِ الشيرازي: هل كان الخطيبُ كتصانيفه في الحفظ؟ قال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه. [٤] وقال أبو الحسن بن الطيوري: أكثر كتب الخطيب - سوى «تاريخ بغداد» - مُستفادةً من كتب الصوري، كان الصوري ابتدأ بها وكانت له أختُ بصور، خلف عندها اثني عشر عدلاً من الكتب، فحصل الخطيبُ من كتبه أشياء. قلت: ما الخطيبُ بمفتقر إلى الصوري، هو أحفظ وأوسع رحلةً وحديثاً ومعرفة.
1290
[١] محمد بن مرزوق الزعفراني، حدثنا الحافظ أبو بكر الخطيب قال: أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
[٢] فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها. ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١). ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الاخلاص: ٤).
[٣] وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه. وشيعه الفقهاء والخلق وحملوه إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذب عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وختم على قبره عدة ختمات.
[٤] قال أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي: كان الشيخ أبو بكر ابن زهراء الصوفي برباطنا، قد أعد لنفسه قبراً إلى جانب قبر بشر الحافي، وكان يمضي إليه كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويتلو فيه القرآن كله، فلما مات أبو بكر
1291
الخطيب، كان قد أوصى أن يُدفن إلى جنب قبر بشر، فجاء أصحاب الحديث إلى ابن زهراء، وسألوه أن يدفنوا الخطيب في قبره، وأن يُؤثره به، فامتنع، وقال: موضع قد أعددته لنفسي يُؤخذ مني! فجاءوا إلى والدي، وذكروا له ذلك فأحضر ابن زهراء وهو أبو بكر أحمد بن علي الطريشي فقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول لك: لو أن بشراً الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب ليقعد دونك، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال لا، بل كنت أجلسه مكاني. قال: فهكذا ينبغي أن تكون الساعة. قال: فطاب قلبه، وأذن.
[١] قال أبو الفضل بن خيرون: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في النوم، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في روح وريحان وجنة نعيم.
[٢] وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن جداً: رأيت بعد موت الخطيب كأن شخصاً قائماً بجذائي، فأردت أن أسأله عن أبي بكر الخطيب، فقال لي ابتداء: أنزل وسط الجنة حيث يتعارف الأبرار.
[٣] قال الفقيه الصالح حسن بن أحمد البصري: رأيت الخطيب في المنام وعليه ثياب بيض حسان وعمامة بيضاء، وهو فرحان يتبسم، فلا أدري قلت: ما فعل الله بك؟ أو هو بدائي، فقال: غفر الله لي، أو رحمني، وكل من يجيء - فوقع لي أنه يعني بالتوحيد - إليه يرحمه، أو يغفر له فأبشروا، وذلك بعد وفاته بأيام. قلت: تناكد ابن الجوزي رحمه الله وغض من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة.
قلت: ليت الخطيب ترك بعض الحط على الكبار فلم يروه. قال أبو سعد السمعاني: للخطيب ستة وخمسون مصنفاً.
1292