نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٨١ - البيهقي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٨١ - البيهقي (١)
[١] هو الحافظ العلامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، الخراساني. ويُبهق: عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها. ولد في سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وسمع وهو ابن خمس عشرة سنة.
(١) انظر السير: ١٨ / ١٦٣-١٧٠.
1270
وَيُورِكُ لَهُ فِي عِلْمِهِ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ النَّافِعَةَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ «سُنَنُ النَّسَائِيِّ»، وَلَا «سُنَنُ ابْنِ مَاجَةَ» وَلَا «جَامِعُ أَبِي عِيسَى»، بَلَى عِنْدَهُ عَنِ الْحَاكِمِ وَقُرْ بِعَبْرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ «سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ» عَالِيًا وَتَفَقَّهَ عَلَى نَاصِرِ الْعَمْرِيِّ، وَغَيْرِهِ.
وَانْقَطَعَ بِقُرْيَتِهِ مُقْبِلًا عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ، فَعَمِلَ «السُّنَنُ الْكَبِيرُ» فِي عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، وَأَلَّفَ كِتَابَ «السُّنَنِ وَالْآثَارِ» فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي «تَارِيخِهِ»: كَانَ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى سِيرَةِ الْعُلَمَاءِ، قَانِعًا بِالْيَسِيرِ، مُتَجَمِّلًا فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ.
[١] قَالَ شَيْخُ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْبَيْهَقِيِّ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حِينَ ابْتَدَأْتُ بِتَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ - يَعْنِي كِتَابَ «الْمَعْرِفَةِ فِي السُّنَنِ وَالْآثَارِ» - وَفَرَغْتُ مِنْ تَهْذِيبِ أَجْزَاءٍ مِنْهُ، سَمِعْتُ الْفَقِيهَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ - وَهُوَ مِنْ صَالِحِي أَصْحَابِي وَأَكْثَرِهِمْ تِلَاوَةً وَأَصْدَقِهِمْ لَهْجَةً - يَقُولُ: رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النَّوْمِ، وَبِيَدِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ كَتَبْتُ الْيَوْمَ مِنْ كِتَابِ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ - أَوْ قَالَ: قَرَأْتُهَا - وَرَأَهُ يَعْتَدُّ بِذَلِكَ. قَالَ: وَفِي صَبَاحِ ذَلِكَ الْيَوْمِ رَأَى فِقْهَةً آخَرَ مِنْ إِخْوَانِي الشَّافِعِيِّ قَاعِدًا فِي الْجَامِعِ عَلَى سَرِيرٍ وَهُوَ يَقُولُ: قَدِ اسْتَفَدْتُ الْيَوْمَ مِنْ كِتَابِ الْفَقِيهِ حَدِيثَ كَذَا وَكَذَا.
[٢] وَأَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيَّ الْحَافِظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْفَقِيهَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ تَابُوتًا عَلَا فِي السَّمَاءِ يَعْلُوهُ نُورٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ تَصَانِيفُ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيِّ.
قُلْتُ: هَذِهِ رُؤْيَا حَقٍّ، فَتَصَانِيفُ الْبَيْهَقِيِّ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ، غَزِيرَةُ الْفَوَائِدِ، قُلْ مِنْ جَوْدِ تَوَالِيفِهِ مِثْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَالَمِ أَنْ يَعْتَنِي بِهَؤُلَاءِ سِيَّمَا «سُنَنُ الْكَبِيرُ».
1271
وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه.
قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه، لكان قادراً على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث. ولما سمعوا منه ما أحبوا في قدمته الأخيرة، مرض، وحضرت المنية، فتوفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، فعُسل وكفن وعمل له تابوت، فنقل ودفن ببيهق. عاش أربعاً وسبعين سنة.
1272