نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٠١ - أبو إسحاق الشيرازي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٠١ - أبو إسحاق الشيرازي (١)
[١] الشيخ الإمام، القدوة، المُجْتَهِد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، الشيرازي، الشافعي نزيل بغداد.
مولده في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة.
وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربع مئة، فلزم أبا الطيب، وبرع وصار معيده، وكان يضرب المثل بفصاحته وقوة مناظرته.
قال السمعاني: هو إمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر، رحل الناس إليه من البلاد وقصدوه، وتفرّد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية. جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته، صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهداً، ورعاً، متواضعاً، طريفاً، كريماً جواداً، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة.
[٢] حكي عنه قال: كنت نائماً ببغداد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله! بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك حديثاً أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخراً للآخرة، فقال لي: يا شيخ! - وسمّاني شيخاً، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا - قل عني: من أراد السلامة، فليطلبها في سلامة غيره.
[٣] وعن أبي إسحاق: أن رجلاً أخسأ كلباً، فقال: مه! الطريق بينك وبينه. [٤] وعنه: أنه اشتهى ثريداً بماء بقلاء، قال: فما صح لي أكله لاشتغالي
(١) انظر السير: ١٨ / ٤٥٢-٤٦٤.
1306
بالدرس وأخذي النوبة.
[١] قال السمعاني: قال أصحابنا ببغداد: كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مدة لا
يأكل شيئاً، صعد إلى النصرية وله بها صديق، فكان يثرد له رغيفاً ويشربه بماء
الباقلاء، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾
(النازعات: ١٢).
قال القاضي ابن هاني: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق، وقاضي
القضاة أبو عبدالله الدامغاني. أما أبو إسحاق فكان فقيراً ولو أراده لحملوه على
الأعناق. والآخر لو أراده لأمكنه على السندس والإستبرق.
[٢] السمعاني: سمعت أبا بكر محمد بن القاسم الشهرزوري بالموصل يقول:
كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحد بين يديه قال: أي سكتة فاتتك.
[٣] قال السمعاني: دخل أبو إسحاق يوماً مسجداً ليتغذى، فنسي ديناراً، ثم ذكر،
فرجع فوجده، ففكر وقال: لعله وقع من غيري، فتركه.
[٤] وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالماً ولا يكون
عاملاً.
[٥] وقيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته - وكانت بعشرين ديناراً - وتوضأ في دجلة،
فجاء لص فأخذها، وترك عمامة رديئة بذلها، فطلع الشيخ فلبسها، وما شعر
حتى سألوه وهو يدرس، فقال: لعل الذي أخذها محتاج.
[٦] قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: ندب المقتدي بالله أبا إسحاق للرسليّة
إلى المعسكر، فتوجّه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد
بنسائهم وأولادهم يمسحون أزدانه (١)، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج
الخبازون، ونشروا الخبز، وهو ينهاهم ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة
(١) الأردان: جمع ردن، وهو أصل الكم.
1307
والحلواء، ونثروا على الأساكفة وعملوا مداسات صغاراً، ونثروها، وهي تقع على رؤوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النثار، ما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي! وأنت أي شيء كان حظك منه؟ قال: أنا غطيت نفسي بالمحفة.
[١] قال خطيب الموصل أبو المفضل: حدثني أبي قال: توجهت من الموصل سنة ٤٥٩ إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي، وقال: من أين أنت؟ فقلت: من الموصل. قال: مرحباً أنت بلدي، قلت: يا سيدنا! أنت من فيروزاباد. قال: أما جمعتنا سفينة نوح؟ فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه فصحبته إلى أن مات.
توفي سنة ست وسبعين وأربع مئة ببغداد، وأحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله فصلّى عليه.
[٢] كان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعاً حج وجاور، وصار فقيه الحرم.
ومات أبو إسحاق ولم يخلف درهماً، ولا عليه درهم. وكذا فليكن الزهد، وما تزوج فيما أعلم، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا «كالمهذب» و «التنبيه» و «اللمع في أصول الفقه».
1308