نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٠٢ - إمام الحرمين (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٠٢ - إمام الحرمين (١)
[٣] الإمام الكبير شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك بن الإمام
(١) انظر السير: ١٨ / ٤٦٨-٤٧٧.
1308
أبي محمد عبد الله بن يوسف، الجويني، ثم النيسابوري، ضياء الدين،
الشافعي، صاحب التصانيف.
وُلِدَ في سنة تسع عشرة وأربع مئة.
[١] وفي «فنون» ابن عقيل: قال عميد الملك: قدم أبو المعالي فكلم أبا القاسم
ابن برهان في العباد، هل لهم أفعال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي
ذا فالحجة لك، فتلا: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾
(المؤمنون: ٦٣). ومد بها صوته. وكرر ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ وقوله: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا
لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة: ٤٢). أي
كانوا مستطيعين فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل، فقال: والله إنك بارد
تناول صريح كلام الله لتصحح بتأويلك كلام الأشعري. وأكله ابن برهان
بالحجة، فبهت.
درس بنظامية نيسابور، واستقام الأمر، وبقي على ذلك ثلاثين سنة غير
مزاحم ولا مدافع، مسلماً له المحراب والمنبر والخطبة والتدريس ومجلس
الوعظ يوم الجمعة، وظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من
الطلبة، كان يقعد بين يديه نحو من ثلاث مئة وتفقه به أئمة.
[٢] وقرأت بخط أبي جعفر: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في
خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت
البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب
الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد والآن فقد رجعت إلى كلمة
الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على
دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا
الله، فالويل لابن الجويني.
1309
[١] قلت: كان هذا الإمام مع فُرْط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به لا متناً ولا إسناداً ذكر في كتاب «البرهان» حديث معاذٍ في القياس فقال: هو مُدَوَّنٌ في الصحاح، متفق على صحته.
قلت: بل مَدَارُهُ على الحارث بن عمرو، وفيه جَهَالَة، عن رجال من أهل حمص، عن معاذ. فإسناده صالح.
[٢] قال المَازِرِيُّ في شرح «البرهان» في قوله: إن الله يعلم الكُلِّيات لا الجزئيات: وَدَدْتُ لَوْ مَحَوْتُهَا بِدَمِي.
وقيل: لم يُقَلْ بهذه المسألة تصريحاً، بل أُلْزِمَ بها، فالله أعلم. قلت: هذه هَفْوَةُ اعتزال، هُجِرَ أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القُشَيْرِيُّ لا يُكَلِّمُهُ، ونُفِيَ بسببها، فجاور وتعبَّد، وتاب - والله الحمد - منها، كما أنه في الآخر رجَّح مذهب السلف في الصِّفات وأقَرَّهُ.
[٣] قال الفقيه غانم المُوَشِيلِيُّ: سمعتُ الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما اشتغلتُ بالكلام.
قال أبو المعالي في كتاب «الرسالة النظامية»: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فُحْواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السُّنَن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نَرْتَضِيهِ رأياً، وَنَدِينُ الله به عقداً اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع.
[٤] وكان إذا أخذ في علم الصوفية وشرح الأحوال أبكي الحاضرين، وكان يذكر في اليوم دروساً، الدَّرْسُ في عدة أوراق، لا يَتَلَعَّمُ في كلمة منها.
1310
[١] تُوفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة، ودُفن في داره، ثم نُقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدُفن بجنب والده، وكسروا منبره، وغُلقت الأسواق، ورُئي بقصائد وكان له نحو من أربع مئة تلميذ، كسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا حولاً، ووُضعت المناديل عن الرؤوس عاماً، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه، وكانت الطلبة يطوفون في البلد نائحين عليه، مبالغين في الصياح والجزع.
قلت: هذا كان من زي الأعاجم لا من فعل العلماء المتبعين. [٢] وقال أبو الحسن الباخرزي في «الدمية» في حقه: الفقه فقه الشافعي، والأدب أدب الأصمعي، وفي الوعظ الحسن الحسن البصري، وكيف ما هو فهو إمام كل إمام، والمستعلي بهمته على كل هام، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام، وإن تصدّر للفقه، فالمُزني من مُزنتِه، وإذا تكلم فالأشعري شَعْرَة من وَفْرَتِه.
1311