تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٣٦ - الغَزَّالِي (١)

الصفحات 1355–1360 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٣٦ - الغَزَّالِي (١)

[١] الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي صاحب التصانيف، والذكاء المفرط.

تفقه ببلده أولاً، ثم تحول إلى نيسابور في مرافقة جماعة من الطلبة، فلازم إمام الحرمين، فبرع في الفقه في مدة قريبة، ومهر في الكلام، والجدل، حتى صار عين المناظرين، وأعاد للطلبة، وشرع في التصنيف. فما أعجب ذلك شيخه أبا المعالي، ولكنه مظهر للتبجح به ثم سار أبو حامد إلى المخيم السلطاني، فأقبل عليه نظام الملك الوزير وسر بوجوده، وناظر الكبار بحضرته، فانبهر له، وشاع أمره، فولاه النظام تدريس نظامية بغداد، فقدمها بعد الثمانين وأربع مئة، وسنه نحو الثلاثين، وأخذ في تأليف الأصول، والفقه والكلام والحكمة، وأدخله سيلان ذهنه في مضائق الكلام، ومزال الأقدام، والله سر في خلقه.

وعظم جاء الرجل، وازدادت حشمته، بحيث إنه في دست أمير، وفي رتبة رئيس كبير، فأداه نظره في العلوم وممارسته لأفانين الزهديات إلى رفض الرئاسة، والإنابة إلى دار الخلود، والتأله، والإخلاص، وإصلاح النفس، فحج من وقته، وزار بيت المقدس، وصحب الفقيه نصر بن إبراهيم بدمشق، وأقام مدة، وألف كتابه «الإحياء». وراض نفسه وجاهدها، وطرد شيطان الرعونة، وليس زي الأتقياء، ثم بعد سنوات سار إلى وطنه، لازماً لسنته، حافظاً لوقته،

(١) انظر السير: ١٩ / ٣٢٢-٣٤٦.

1355

مكباً على العلم.

[١] ذكر هذا وأضعافه عبد الغافر في «السياق»، إلى أن قال: ولقد زرته مراراً، وما

كنت أحدس في نفسي مع ما عهدت عليه من الزعارة (١) والنظر إلى الناس بعين

الاستخفاف كبراً وخيلاء، واعتزازاً بما رزق من البسطة والنطق والذهن، أنه صار

على الضد، وتصفى عن تلك الكدورات، وكنت أظنه متلفعاً بجلباب التكلف،

متنمسا بما صار إليه فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون،

وأن الرجل أفاق بعد الجنون.

قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم،

فما استطاع.

ومن معجم أبي علي الصدفي، تأليف القاضي عياض له، قال: والشيخ أبو

حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف وتجرد

لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه

فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا

بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتثل ذلك.

قلت: ما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده وكل منهم

معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع، فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور.

[٢] قلت: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب «التهافت»، وكشف عوارهم،

ووافقهم في مواضع ظناً منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم

بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في

كتاب «رسائل إخوان الصفا» وهو داء عضال وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن

أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف. فالحذار الحذار من هذه

الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام

(١) شراسة وسوء خلق.

1356

النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليُذْمن الاستغاثة بالله، وليتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يُتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يُغفر له وينجو إن شاء الله.

وقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بمعلوم أصلاً. قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأساً.

[١] قال الغزالي: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول: الله الله الله، على الدوام، فليفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث. قال: فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة في بيت مظلم، وتدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾.

قلت: سيد الخلق إنما سمع ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ من جبريل عن الله وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبداً، بل سمع شيطاناً أو سمع شيئاً لا حقيقة من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع.

قال ابن عساكر: حج أبو حامد وأقام بالشام نحواً من عشر سنين وصنف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق في المنارة الغربية من الجامع، سمع «صحيح البخاري» من أبي سهل الحفصي، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين.

قال أبو العباس أحمد الخطيبي: كنت في حلقة الغزالي، فقال: مات أبي، وخلف لي ولأخي مقداراً يسيراً ففني بحيث تعذر علينا القوت فصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه، ليس المراد سوى تحصيل القوت، فكان تعلمنا لذلك، لا لله،

1357

فأبى أن يكون إلا الله.

ومما أخذ عليه قال: إن للقدر سراً نُهينا عن إفشائه، فأي سرّ للقدر؟ فإن كان مُدْرَكاً بالنظر، وصل إليه ولا بدّ، وإن كان مُدْرَكاً بالخبر فما ثبت فيه شيء. وإن كان يُدْرَكُ بالحال والعرفان، فهذه دعوى محضة فلعله عنى بإفشائه أن تُعَمِّقَ في القدر، ونبحث فيه.

[١] أبو حامد، قال: اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشدّ، والطاعات يُقَدِّرُ عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يُقَدِّرُ عليها إلا الصديقون، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «المُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ هَوَاهُ».

[٢] وقال أبو عامر العبدري: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القادر الطوسي يُخْلِفُ بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي رحمه الله، فإذا هي كلها تصاوير.

قلت: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يُخطئ. وقال محمد بن الوليد الطرطوشي في رسالة له إلى ابن مظفر: فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته، وكلمته، فرأيته جليلاً من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصوف، وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، [٣] ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل «الإحياء» عمد يتكلم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات.

1358

[١] قلتُ: أما «الإحياء» ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزُهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علماً [٢] نافعاً، تدري ما العلمُ النافع؟ هو ما نزل به القرآنُ، وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، ولم يأت نهي عنه، قال عليه السلام: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» فعليك يا أخي بتدبير كتاب الله وبإدمان النظر في «الصحيحين» وسنن النسائي، ورياض النواوي وأذكاره تُفْلِحُ وتُنْجِحُ، وإياك وآراء عبّاد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات وجُوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكلُّ الخير في متابعة الحنيفية السمجة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم.

[٣] قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبوحامد «الإحياء» وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم، أنوار هي حُجُبُ الله عز وجل، ولم يرد هذه المعروفات وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد ردَّ ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب «الإحياء» وبين خطأه في مجلدات، سماه كتاب «الأحياء».

[٤] ولأبي الحسن ابن سُكْرٍ رَدَّ على الغزالي في مجلد سماه: «إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء».

قلت: ما زال الأئمة يُخالف بعضهم بعضاً، ويردُّ هذا على هذا ولسنا ممن يُدَمُّ العالم بالهوى والجهل.

[٥] توفي سنة خمس وخمس مئة، وله خمس وخمسون سنة، ودُفِنَ بمقبرة الطابران قصبة بلاد طوس، وقولهم: الغزالي، والعطاري، والخبازي، نسبة إلى الصنائع بلسان العجم بجمع ياء النسبة والصيغة.

1359

وللغزالي أخ واعظ مشهور، وهو أبو الفتوح أحمد، له قبول عظيم في الوعظ يُزَنُّ (١) برقة الدين وبالإباحة، بقي إلى حدود العشرين وخمس مئة، وقد ناب عن أخيه في تدريس النظامية ببغداد لما حج مُديدة.

أبو الثناء محمود الفرضي، قال: حدثنا تاج الإسلام ابن خميس قال لي الغزالي: الناس يقولون لي الغزالي، ولست الغزالي، وإنما أنا الغزالي منسوب إلى قرية يقال لها: غزالة، أو كما قال.

رحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول.

(١) أي: يتهم ويرمي.

1360

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080