نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٣٨ - القائم بأمر الله (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٣٨ - القائم بأمر الله (١)
[١] الخليفة أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله العباسي البغدادي. وُلِدَ سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وأمه بدر الدجى الأرمنية. وكان مليحاً وسيماً أبيض بحمرة، قوي النفس، ديناً ورعاً متصدقاً. له يد في الكتابة والأدب، وفيه عدل وسماحة. [٢] ولم يزل أمره مستقيماً إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وأربع مئة، لأن أرسلان التركي البساسيري، عظم شأنه لعدم نظير له. وتهيئته أمراء العرب والعجم، ودُعي له على المنابر. وظلم وخرّب القرى وانقهر معه القائم، ثم تحدث بأنه يريد نهب دار الخلافة، وعزل القائم. فكاتب القائم طغرلبك ملك العز يستنهضه، وكان بالري ثم أحرقت دار البساسيري، وهرب، وقدم طغرلبك في سنة ٤٤٧ وذهب البساسيري إلى الرحبة (٢) ومعه عسكر، فكاتب المستنصر
(١) انظر السير: ١٥ / ١٣٨-١٤١.
(٢) تقع على الفرات بين الرقة وبغداد.
1081
فأُمْدَهُ مِنْ مِصْرَ بِالْأَمْوَالِ، وَمَضَى طُغْرُلُكَ سَنَةَ تِسْعٍ إِلَى نَصِيبَيْنِ وَمَعَهُ أَخُوهُ يَنَالُ، فَكَاتِبُ الْبَسَاسِيرِيِّ يَنَالُ فَأَفْسَدَهُ، وَطَمِعَ بِمَنْصِبِ أَخِيهِ، فَسَارَ بِجَيْشٍ ضَخْمٍ إِلَى الرِّيِّ، فَسَارَ أَخُوهُ فِي أَثَرِهِ، وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ. وَالتُّقَى الْأَخْوَانُ بِهَمَذَانٍ. وَظَهَرَ يَنَالُ، وَاضْطَرَبَ أَمْرٌ بِغَدَادٍ، وَوَقَعَ النَّهْبُ، فَوَصَلَ الْبَسَاسِيرِيُّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى الْأَنْبَارِ. وَبُطِّلَتِ الْجُمُعَةُ، ثُمَّ دَخَلَ هُوَ بِغَدَادٍ فِي الرَّايَاتِ الْمِصْرِيَّةِ، وَضَرَبَ سُرَادِقَهُ عَلَى دِجْلِهِ، وَنَصَرَتْهُ الشِّيعَةُ وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْعَيَّارَيْنِ وَالْفَلَّاحَيْنِ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي النَّهْبِ. وَعَظُمَ الْقَحْطُ، وَاقْتَتَلُوا فِي السُّفُنِ. ثُمَّ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ دُعِيَ لِصَاحِبِ مِصْرَ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَأَذْنَوْا: بِحَيٍّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. وَخَنَدَقَ الْخَلِيفَةُ حَوْلَ دَارِهِ، ثُمَّ نَهَضَ الْبَسَاسِيرِيُّ فِي أَهْلِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى حَرْبِ الْقَائِمِ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَيْنِ، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، وَأَحْرَقَتِ الْأَسْوَاقُ وَدَخَلُوا الدَّارَ فَانْتَهُبُوهَا، وَتَذَمَّمَ الْقَائِمُ إِلَى الْأَمِيرِ قُرَيْشٍ الْعُقَيْلِيِّ - وَكَانَ مِمَّنْ قَامَ مَعَ الْبَسَاسِيرِيِّ - فَأَذَمَّهُ، وَقَبَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَخَرَجَ الْقَائِمُ رَاكِبًا، بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّايَةُ، وَالْأَتْرَاكُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ فِي خَيْمَةٍ ثُمَّ قَبَضَ الْبَسَاسِيرِيُّ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْمُسْلِمَةِ، وَالْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، فَصَلَبَ الْوَزِيرَ فَهَلَكَ.
[١] وَكَانَ الْقَائِمُ فِيهِ خَيْرٌ وَاهْتِمَامٌ بِالرَّعِيَّةِ، وَقَضَاءٌ لِلْحَوَائِجِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا بَقِيَ مُعْتَقِلًا عِنْدَ الْعَرَبِ كَتَبَ قِصَّةً، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مُسْتَعِدِّياً مِمَّنْ ظَلَمَهُ وَهِيَ: إِلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الْمَسَاكِينِ عَبْدَهُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرِ، الْمَطْلَعُ عَلَى الضَّمَائِرِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ غَنِيٌّ بِعِلْمِكَ وَاطِّلَاعِكَ عَلَيَّ عَنْ إِعْلَامِي، هَذَا عَبْدُكَ قَدْ كَفَرَ نِعْمَتَكَ وَمَا شَكَرَهَا، أَطْغَاهُ حِلْمُكَ حَتَّى تَعَدَّى عَلَيْنَا بَغْياً. اللَّهُمَّ قُلِ النَّاصِرُ وَاعْتَزِّ الظَّالِمُ، وَأَنْتَ الْمَطْلَعُ الْحَاكِمُ، بِكَ نَعْتَزُّ عَلَيْهِ، وَإِلَيْكَ نَهْرُبُ مِنْ يَدَيْهِ، فَقَدْ حَاكَمْنَاهُ إِلَيْكَ، وَتَوَكَّلْنَا فِي إِنْصَافِنَا مِنْهُ عَلَيْكَ، وَرَفَعْنَا ظَلَامَتَنَا إِلَى حَرَمِكَ، وَوَثَّقْنَا فِي كَشْفِهَا بِكَرَمِكَ، فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ طُغْرُلُكَ، فَإِنَّهُ ظَفِرَ بِأَخِيهِ وَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَاتَبَ مَتَوَلِّي عَانَةً فِي أَنْ يَرُدَّ الْقَائِمَ إِلَى مَقَرِّ عَزَّةٍ.
1082
ثم جهز طُغْرُلْبَك عسكرياً قاتلوا البَسَاسِيرِي فُقْتَل وطيف برأسه فكانت الخُطْبة
للمستنصر ببغداد سنة كاملة.
تُوفِّي القائم سنة سبع وستين وأربع مئة.
1083