نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٨٦ ابن الحطيئة (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٨٦ ابن الحطيئة (١)
[١] الشيخ الإمام العلامة القدوة، شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن عبد الله
اللخمي المغربي الفاسي المقريء الناسخ ابن الحطيئة.
مولده بفاس سنة ثمان وسبعين وأربع مئة.
[٢] وقد دخل الشام وزار، وسكن مصر، وتزوج، وكان يعيش من الوراقة، وعلم
زوجته وبنته الكتابة، فكتبتا مثله، فكان يأخذ الكتاب ويقسمه بينه وبينهما، فينسخ
كل منهما طائفة من الكتاب فلا يفرق بين الخطوط إلا في شيء نادر، وكان مقيماً
بجامع راشدة خارج الفسطاط، ولأهل مصر حتى أمرائها العبيدية فيه اعتقاد كبير،
كان لا يقبل من أحد شيئاً، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص.
وأحكم العربية والفقه، وخطه مرغوب فيه لإتقانه وبركته.
[٣] وقد كان حصل قحط بمصر، فبذل له غير واحد عطاء، فأبى وقنع فخطب
الفضل بن يحيى الطويل إليه بنته، فزوجه، ثم طلب منه أمها لتؤنسها، ففعل، فما
أجمل تلطف هذا المرء في بر أبي العباس.
قال السلفي: كان ابن الحطيئة رأساً في القراءات، وقرأت بخط أبي الطاهر بن
الأنماطي قال: سمعت شيخنا شجاعاً المدلجي - وكان من خيار عباد الله - يقول:
[٤] كان شيخنا ابن الحطيئة شديداً في دين الله فظاً غليظاً على أعداء الله، لقد كان
يُحْضَر مجلسه داعي الدعاة (٢) مع عظم سلطانه ونفوذ أمره، فما يحتشمُه، ولا
(١) انظر السير: ٢٠/٣٤٤-٣٤٨
(٢) وهو أبو القاسم هبة الله بن كامل المصري التنوخي، قاضي الخليفة العاضد متوفى سنة ٥٦٩، مترجم في
الخريدة (قسم مصر) ١/١٨٦، والروضتين ١/٢٢٤ و «العبرة» ٤/٢٠٩، و «شذرات الذهب» ٤/٢٣٥
1431
يُكْرِمُهُ، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا وكذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة وكفروا بالله.
[١] وكنت عنده يوماً في مسجده بشرف مصر وقد حضره بعض وزراء المصريين أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخة ملأت المسجد وقال: واحرها على كبدي، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله ﷺ في آنية الفضة؟! لا والله لا تفعل، وطرد الغلام فخرج، وطلب الشيخ كوزاً، فجيء بكوز قد تلم، فشرب، واستحي من الشيخ، فرأيته والله كما قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم ١٧].
قال: وأتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر، وحلف بالطلاق ثلاثاً لا بد أن يقبله، فوبخه على ذلك، وقال: علقه على ذلك الوتد فلم يزل على الوتد حتى أكله العث، وتساقط، وكان ينسخ بالأجرة وكان له على الجزية في السنة ثلاثة دنانير، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته (١)، فما قبل، وكان له من الموقع في قلوبهم مع كثرة ما يهيئهم ما لم يكن لأحد سواه، وعرضوا عليه القضاء بمصر، فقال: والله لا أقضي لهم.. إلى أن قال شجاع: وكتب «صحيح» مسلم كله بقلم واحد، وسمعته وقيل له: فلان رزق نعمة ومعدة، فقال: حسدوه على التردد إلى الخلاء، وسمعته كثيراً إذا ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر.
وقرأت بخط ابن الأنماطي، قال لي شيخنا شجاع: كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل، بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمة.
[٢] وحكى لنا شجاع أن العباس ولدت له بنت، فلما كبرت أقرأها (١) الجامكية: رواتب خدام الدولة، تعريب جامكي، وهو مركب من «جامه» أي قيمة، ومن (كي) وهو أداة النسبة.
1432
بالسَّبْعِ، وقرأت عليه «الصحيحين» وغير ذلك، وكتبت الكثير وتعلّمت عليه كثيراً من العلم، ولم ينظر إليها قط، فسألت شجاعاً: أكان ذلك عن قصد؟ فقال: كان في أول العمر اتفاقاً، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب، ثم يدخل بيته وهي في مهدها، وتمادى الحال إلى أن كبرت، فصارت عادةً، وزوجها ودخلت بيتها والأمر على ذلك، ولم ينظر إليها قط.
قلت: لا مدح في مثل هذا، بل السنة بخلافه، فقد كان سيد البشر ﷺ، يحمل أمامة بنت ابنته وهو في الصلاة. توفي ابن الحطيئة رحمه الله سنة ستين وخمس مئة وقبره بالقراءة ظاهرٌ يُزار.
1433