نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٨١ أبو الوقت (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٨١ أبو الوقت (٢)
[١] الشيخ الإمام الزاهد الخير الصوفي، شيخ الإسلام، مسند الآفاق أبو الوقت،
1424
عبد الأول بن الشيخ المحدث المعمر أبي عبد الله عيسى السجزي، ثم الهروي
الماليني.
مولده في سنة ثمان وخمسين وأربع مئة.
وقال ابن الجوزي: كان صبوراً على القراءة، وكان صالحاً كثير الذكر والتهجد
والبكاء، على سمت السلف، وعزم عام موته على الحج، وهياً ما يحتاج إليه،
فمات.
[١] وقال يوسف بن أحمد الشيرازي في «أربعين البلدان» له: لما رحلت إلى شيخنا
رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر بلاد كرمان،
فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت:
كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إلي من حديثك
بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك، فقال:
وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له وقصدنا إليه، لو كنت عرفتي حق
معرفتي، لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى من
حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به
عنا، يا ولدي تعلم أني رحلت أيضاً لسماع «الصحيح» ماشياً مع والدي من هراة
إلى الداوودي ببوشنج ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين،
ويقول: احملهما، فكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا
رأني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحداً، فألقي ويخف عني، فأمشي إلى أن
يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصر في
المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الآخر فيلقيه، فأمشي حتى
أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة من الفلاحين وغيرهم،
فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول:
معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله ﷺ، بل نمشي، وإذا عجز أركبته
1425
على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله ورجاء ثوابه. فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار. ثم أشار إلى صاحبنا عبد الباقي بن عبد الجبار الهروي أن يقدم لي حلواء، فقلت: يا سيدي، قراءتي لجزء أبي الجهم أحب إلي من أكل الحلواء، فتبسم، وقال: إذا دخل الطعام خرج الكلام، وقدم لنا صحناً فيه حلواء الفانيذ، فأكلنا، وأخرجت الجزء، وسألته إحضار الأصل، فأحضره، وقال: لا تخف ولا تحرص، فإني قد قبرت ممن سمع علي خلقاً كثيراً، فسل الله السلامة، فقرأت الجزء، وسررت به، ويسر الله سماع «الصحيح» وغيره مراراً، ولم [١] أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد، قال لي: تدفني تحت أقدام مشايخنا بالشونيزية، ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مستهتراً (١) بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفي، وأكب عليه، وقال: يا سيدي، قال النبي ﷺ «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إله إلا الله دخل الجنة» فرفع طرفه إليه، وتلا ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس ٢٦، ٢٧] فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله، وتوفي وهو جالس على السجادة، سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة.
(١) أي: مولع به، يقال: أهتر فلان بكذا، واستهتر، فهو مهتر ومستهتر، أي: مولع به لا يتحدث بغيره، ولا يفعل
غيره.
1426