تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨١٨ - المُعْتَمَدُ بْنُ عَبَّادٍ (١)

الصفحات 1331–1334 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨١٨ - المُعْتَمَدُ بْنُ عَبَّادٍ (١)

[١] صاحبُ الأندلس، المُعْتَمَدُ على الله أبو القاسم محمد بن الملك المُعْتَضِد بالله أبي عمرو، عباد بن الظافر بالله أبي القاسم، قاضي إشبيلية، ثم ملكها، محمد بن إسماعيل بن قريش اللخمي.

حكم المُعْتَمَدُ على المدينتين قرطبة وإشبيلية، وأصلهم من الشام من بلد العريش. فدخل أبو الوليد إسماعيل بن قريش إلى الأندلس، ثم برع في الفقه، وولي القضاء، ثم تملك مدة، وقام من بعده ابنه المُعْتَضِد، فسألت المملكة بإشبيلية، وبايعوه بالملك في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة.

وكان شهماً، صارماً، داهية، ذبح جماعة من أعوان أبيه وصادرهم، وعلا شأنه، ودانت له الأمم.

غرز خشباً في قصره، وعمَّمها برؤوس كبار وملوك، وكانوا يشبهونه بالمنصور العباسي. ورام ابنه إسماعيل اغتياله، فأخذه، وضرب عنقه، وعهد إلى ابنه المعتمد

قيل: سمه طاغية الفرنج في ثوب فاخر، أهداه له.

[٢] ومن جبروته وعثوه أنه أخذ مالاً لأعمى، فحج وجاور بمكة، فبلغ المعتضد أنه يدعو عليه، فندب رجلاً أعطاه جملة دنانير مطلية بسم فسار إلى مكة، وأوصله الذهب، فقال: يظلمني بإشبيلية، ويصلني هنا؟! ثم وضع منها ديناراً في فمه كعادة الأضراء، فمات من الغد.

[٣] وقد سكر ليلة، وخرج في الليل معه غلام، وسار مخموراً، حتى وافى

(١) انظر السير: ١٩/٥٨-٦٧.

1331

قَرْمُونَهُ، (١) وصاحبها إسحاق البِرْزال، وبينهما حروب، وكان يشرب أيضاً في جماعة، فاستأذن المُعْتَضِدُ، ودخل، فزاد تعجُّبهم. فسلَّم وأكل، وألَّ (٢) من سُكْرِهِ، وسُقِطَ في يده، لكنه تجلَّد، ثم قال: أريد أن أنام. ففرشوا له، فتناوم، فقال بعضهم: هذا كبش سمين، والله لو أنفقتم ملك الأندلس عليه ما قدَّرتم. فقال معاذ بن أبي قُرَّة: كلا، رجل قصدنا ونزل بنا مستأماً، لا تتحدث عنا القبائل أنا قتلنا ضيفنا ثم انتبه وقام، فقبلوا رأسه، وقال للحاجب: أين نحن؟ قال: بين أهلك وإخوانك. قال: هاتوا دواة، فكتب لكل منهم بخلعة ومال وأفراس وخدم. وأخذ معه غلمانهم لقبض ذلك، وركب، فمشوا في خدمته لكن أساء كل الإساءة، طلبهم بعد أشهر لوليمة، فأتاه ستون منهم فأكرمهم، وأنزلهم حماماً، وطينه عليهم سوى معاذ، وقال لمعاذ: لم تُرْع، حضرت آجالهم، ولولاك، لقتلوني، فإن أردت أن أقاسمك ملكي، فعلت، قال: بل أقيم عندك، وإلا بأي وجه أرجع، وقد قتلت سادات بني برزال، فصيره من كبار قواده، وكان من كبار قواد المعتمد.

هلك المُعْتَضِدُ سنة أربع وستين وأربع مئة.

قال أبو بكر محمد بن اللبَّانة الشاعر: ملك المُعْتَمِدُ من مسورات البلاد مئتي مسور، وولد له مئة وثلاثة وسبعون ولداً، وكان لمطبخه في اليوم ثمانية قناطير لحم، وكتابه ثمانية عشر.

[١] قال ابن خلكان: كان الأدفونش قد قوي أمره، وكانت الملوك بالأندلس يُصالحونه، ويحملون إليه ضرائب، وأخذ طليطلة في سنة ثمان وسبعين بعد حصار شديد، من القادر بن ذي النون، فكان ذلك أول وهن دخل من الفرنج على المسلمين، وكان المُعْتَمِدُ يؤدي إليه، فلما تمكن لم يقبل الضريبة،

(١) غربي قرطبة وشرقي إشبيلية، قديمة البنيان.

(٢) في اللسان: أل في سيره ومشيه، إذا أسرع واهتز واضطرب.

1332

وتهدده، وطلب منه أن يُسَلِّمَ حُصُوناً، فضرب الرسول وقتل من معه، فتحرك اللعين، واجتمع العلماء، واتفقوا على أن يُكاتِبوا الأمير أبا يعقوب بن تاشفين صاحب مراكش ليُنجِدهم، فعبر ابن تاشفين بجيوشه إلى الجزيرة، ثم اجتمع بالمعتمد، وأقبلت المطوِّعة من النواحي، وركب الأدفونش في أربعين ألف فارس، وكتب إلى ابن تاشفين يتهدده فكتب في ظهر كتابه: «الذي يكون ستراه». ثم التقى الجمعان واصطدم الجبلان بالزلاقة من أرض بطليوس، (1) فانهزم الكلب، واستُوصِل جمعه وقل من نجا، في رمضان سنة تسع وسبعين، وجرح المعتمد في بدنه ووجهه، وشهد له بالشجاعة والإقدام، وغنم المسلمون ما لا يوصف. وغدا ابن تاشفين.

[1] ثم عبر في العام الآتي، وتلقاه المعتمد، وحاصرا حصناً للفرنج وترجل ابن تاشفين، فمر بغرناطة، فأخرج إليه صاحبها ابن بلكين تقادم وهدايا وتلقاه، فغدر به، واستولى على قصره، ورجع إلى مراكش وقد بهره حسن الأندلس وبساتينها، وحسن له أمراؤه أخذها، ووحشوا قلبه على المعتمد.

[2] قال عبد الواحد بن علي: غلب المعتمد على قرطبة في سنة (471) فأخرج منها ابن عكاشة، إلى أن قال: وجال ابن تاشفين في الأندلس يتفرج، مضمراً أشياء، معظماً للمعتمد، ويقول: نحن أضيافه وتحت أمره، ثم قرر ابن تاشفين خلقاً من المرابطين يقيمون بالأندلس، وأحب الأندلسيون ابن تاشفين، ودعوا له، وجعل عندهم بلجين قرابته، وقرر معه أمورا، فهاجت الفتنة بالأندلس في سنة ثلاث وثمانين، وزحف المرابطون، فحاصروا حصونا للمعتمد، وأخذوا بعضها، وقتلوا ولده المأمون في سنة أربع، فاستحكمت الإحنة، وغلت مراجل الفتنة، ثم حاصروا إشبيلية أشد حصار، وظهر من بأس المعتمد وتراميه على

(1) مدينة كبيرة بالأندلس، تقع على الحدود الشرقية للبرتغال، كانت عاصمة بني الأطلس التجبيين في عهد ملوك الطوائف.

1333

الاستشهاد ما لم يُسْمَعْ بمثله، وفي رجب سنة أربع، هَجَمَ المرابطون على البلد وشنُّوا الغارات، وخرج الناسُ غرايا، وأسروا المعتمد.

[١] قال عبد الواحد: برز المعتمد من قصره في غِلالة، بلا درع ولا درقة وبيده سيفه، فرماه فارس بحربة أصاب الغلالة، وضرب الفارس فتله فولت المرابطون. ثم وقت العصر، كرت البربر، وظهروا على البلد من واديه، ورموا فيه النار، فانقطع العمل، واتسع الخرق على الراقع بقدوم ابن أخي السلطان، ولم يترك البربر لأهل البلد شيئاً، ونهبت قصور المعتمد، وأكره على أن كتب إلى ولديه أن يسلما الحصنين وإلا قتلت، فدمي رهن على ذلك، وهما المعتد، والراضي وكانا في رندة ومارتله فنزلا بأمان ومواثيق كاذبة فقتلوا المعتد وقتلوا الراضي غيلة، ومضوا بالمعتمد وآله إلى طنجة بعد أن أفقروهم، ثم سجن بأغمات (١) عامين وزيادة، في قلة وذلة.

[٢] قيل: إن بنات المعتمد أتينه في عيد، وكن يغزلن بالأجرة في أغمات، فرآهن في أطمار رثة، فصدعن قلبه، فقال:

فِيمَا مَضَى كُنْتَ بِالْأَعْيَادِ مَسْرُورَا فَسَاءَكَ الْعِيدُ فِي أَعْمَاتِ مَأْسُورَا تَرَى بَنَاتِكَ فِي الْأَطْمَارِ جَائِعَةً يَغْزِلْنَ لِلنَّاسِ مَا يَمْلِكْنَ قِطْمِيرَا بَرَزْنَ نَحْوَكَ لِلتَّسْلِيمِ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُنَّ حَسِيرَاتٍ مَكَاسِيرَا يَطْأَنَّ فِي الطِّينِ وَالْأَقْدَامُ حَافِيَةً كَأَنَّهَا لَمْ تَطَأْ مِسْكًا وَكَافُورَا

مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةِ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةِ. وَقَدْ سَمَّى ابْنُ اللُّبَّانَةِ بَنِي الْمَعْتَمِدِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَلْقَابِهِمْ، فَعَدَّ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ نَفْسًا، وَعَدَّ لَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ بِنْتًا.

قلت: افتقروا بالمرّة، وتعلّموا صنائع، وكذلك الدهر، نسأل الله المغفرة.

(١) أغمات: ناحية في بلاد البربر المصامدة من أرض المغرب قرب مراكش.

1334

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080