تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٣١ عبد الغني (١)

الصفحات 1513–1524 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 15 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٣١ عبد الغني (١)

[١] الإمامُ العالمُ الحافظُ الكبيرُ الصادقُ القُدوةُ العابدُ الأثريُّ (٢) المُتَّبِعُ عالمُ الحُفَّاظِ تقيُّ الدِّينِ أبو محمدٍ عبد الغنيِّ بنُ عبد الواحدِ بنِ عليٍّ المقدسيِّ الجَماعيليُّ ثمَّ الدِّمَشقيُّ المُنشأُ الصالحيُّ الحنبليُّ. وُلِدَ سنةُ إحدى وأربعين وخمس مئة بجماعيل.

سمع الكثير بدمشق، والإسكندرية، وبيت المقدس، ومصر، وبغداد، وحرّان، والموصل، وأصبهان، وهمّان، وكتب الكثير.

كان عظيم الخلق، تامّ القامة، كأنّ النور يخرج من وجهه، وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسخ والمطالعة.

[٢] في حفظه:

قال ضياء الدين: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث، سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى، فجرى بيني وبين رجل منازعة في حديث، فقال: هو في صحيح البخاري، فقلت: ليس هو فيه، قال: فكتبه في رقعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأله، قال: فناولني أبو موسى الرقعة، وقال: ما تقول؟ فقلت: ما هو في البخاري، فخجل الرجل.

قال الضياء: رأيتُ في النوم بمرو كأنّ البخاري بين يدي الحافظ عبد الغني، يقرأ عليه من جزء وكان الحافظ يرد عليه، أو ما هذا معناه.

(١) انظر السير: ٢١ / ٤٤٣-٤٧١.

(٢) نسبة إلى عنايته بالأثر على صاحبه الصلاة والسلام.

1513

وسمعت (١) إسماعيل بن ظفر يقول: قال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق!

[١] في إفادته واشتغاله:

قال الضياء: وكان رحمه الله مجتهداً على الطلب، يُكرم الطلبة، ويُحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب يفهم أمره بالرحلة، ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه، وبسببه سمع أصحابنا الكثير.

سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ يقول: ما رأيت الحديث في الشام كله إلا ببركة الحافظ، فإني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرصني.

[٢] مجالسه:

كان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق وليلة الخميس، ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويبكي الناس كثيراً، حتى إن من حضره مرة لا يكاد يتركه، وكان إذا فرغ دعا دعاءً كثيراً.

سمعت شيخنا ابن نجا الواعظ بالقراءة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث فأشتهي أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم، وحضرت، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظاً، وقرأ جزءاً ففرح الناس به، فسمعت ابن نجا يقول: حصل الذي كنت أريده في أول مجلس.

وسمعت بعض من حضر يقول: بكى الناس حتى غشي على بعضهم. وكان يجلس بمصر بأماكن.

سمعت محمود بن همام الأنصاري يقول: سمعت الفقيه نجم بن (١) الكلام للحافظ الضياء، ومثله الأقوال الآتية.

1514

عبدالوهاب الحنبلي يقول وقد حضر مجلس الحافظ: يا تقي الدين والله لقد حملت الإسلام، ولو أمكنني ما فارقت مجلسك.

أوقاته:

كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقينا، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظهر، ويشغل إما بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنساناً يوقظه، فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانياً في الليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة، ثم

ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه.

أخبرني خالي موفق الدين قال: كان الحافظ عبد الغني جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر.

قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيراً حتى كان أسنانه البرد. سمعت محمود بن سلامة التاجر الحراني يقول: كان الحافظ عبد الغني نازلاً عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا قليلاً، بل يصلي ويقرأ ويبكي. وسمعت نصر بن رضوان المقرىء يقول: ما رأيت أحداً على سيرة الحافظ، كان مشتغلاً طول زمانه.

1515

قيامه في المنكر:

[١] كان لا يرى منكراً إلا غيرة بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم.

قد رأيته مرة يهريق خمراً فجَبَذَ صاحبه السَّيفَ فلم يَخَفْ منه، وأخذه من يده،

وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات.

[٢] قال خالي الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه، وكنا مرة

أنكرنا على قوم وأرقنا خمرهم وتضاربنا، فسمع خالي أبو عمر، فضاق صدره،

وخاصمنا، فلما جئنا إلى الحافظ طيب قلوبنا، وصوب فعلنا وتلا: ﴿وَأَنَّهُ عَنِ

الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ (لقمان: ١٧).

[٣] وسمعت أبابكر بن أحمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدين قد

عُملت لهم طنابير، وكانوا في بستان يشربون، فلقي الحافظ الطنابير فكسرها.

قال: فحدثني الحافظ، قال: فلما كنت أنا وعبدالهادي عند حمام كافور إذا قوم

كثير معهم عصي فخفت المشي، وجعلت أقول: (حسبي الله ونعم الوكيل)،

فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي، فقال: أنا ما كسرت لكم شيئاً، هذا

هو الذي كسر. قال: فإذا فارس يركض فترجل، وقبل يدي، وقال: الصبيان ما

عرفوك، وكان قد وضع الله له هيبة في النفوس.

[٤] وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد ما خفت من هذا، فقلنا: أيها

الملك هذا رجل فقيه. قال: لما دخل ما خيل إلي إلا أنه سبع.

[٥] وسمعت أبابكر ابن الطحان، قال: كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند

الدرج، فجاء الحافظ فكسر شيئاً كثيراً، ثم صعد يقرأ الحديث، فجاء رسول

القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدف والشبابة فقال: ذاك عندي حرام ولا

أمشي إليه، ثم قرأ الحديث. فعاد الرسول فقال: لا بد من المشي إليه، أنت

قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة

1516

السُّلْطَان، فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد.

ومن شمائله:

[١] قال الضياء: ولما وصل إلى مصر كنا بها، فكان إذا خرج للجمعة لا نقدر

نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به ويجتمعون حوله، وكنا أحداثاً نكتب

الحديث حوله، فضحكنا من شيء وطال الضحك، فتبسم ولم يُحَرِّدْ (١) علينا،

وكان سخياً جواداً لا يُدْخِر ديناراً ولا درهماً مهما حصل أخرجه. لقد سمعت عنه

أنه كان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت متنكراً في الظلمة، فيعطيهم

ولا يُعْرَف، وكان يُفْتَح عليه بالثياب فيعطي الناس وثوبه مُرَقَّع.

[٢] وسمعت أحمد بن عبدالله العراقي، حدثني منصور الغضاري قال: شاهدت

الحافظ في الغلاء بمصر وهو ثلاث ليال يؤثر بعشائه ويطوي.

[٣] رأيت يوماً قد أهدي إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرقون، فقال من حينه:

فَرَّقُوا ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢).

وقد فتح له بكثير من الذهب وغيره فما يترك شيئاً حتى قال لي ابنه أبو الفتح:

والدي يعطي الناس الكثير ونحن لا يبعث إلينا شيئاً، وكنا ببغداد.

[٤] ما ابتلي الحافظ به:

قال الضياء: سمعت أبا محمد عبد الرحمان بن محمد بن عبد الجبار،

سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد فقد رزقني

صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.

سمعت الإمام عبدالله بن أبي الحسن الجبائي بأصبهان يقول: أبو نعيم قد

أخذ على ابن مندة أشياء في كتاب «الصحابة» فكان الحافظ أبو موسى يشتهي

(١) الحرد: الغضب.

1517

أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فما كان يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحواً من مئتين وتسعين موضعاً، فلما سمع بذلك الصدر الحُجَندِي طلب عبد الغني وأراد هلاكه، فاختفى.

وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا في إزار، وذلك أن بيت الحُجَندِي أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد.

وسمعت الحافظ يقول: كنا بالمؤصل نسمع «الضعفاء» للعقيلي، فأخذني أهل المؤصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيء فيه (1) فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئاً، ثم أطلقوني، وكان يسمع معه ابن البرني الواعظ فقلع الكراس الذي فيه ذلك الشيء فأرسلوا، وفتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئاً، فهذا سبب خلاصه. وقال: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع عليه الخلق، فوقع الحسد، فشرعوا عملوا لهم وقتاً لقراءة الحديث، وجمعوا الناس، فكان هذا ينام وهذا بلا قلب (2) فما اشتفوا، فأمروا الناصح ابن الحنبلي بأن يعظ تحت النسر يوم الجمعة وقت جلوس الحافظ، فأول ذلك أن الناصح والحافظ أرادا أن يختلفا في الوقت، فاتفقا أن الناصح يجلس بعد الصلاة، وأن يجلس الحافظ العصر، فدسوا إلى الناصح رجلاً ناقص العقل من بني عساكر فقال للناصح في المجلس ما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب وهرب، فتمت مكيدتهم، ومشوا إلى الوالي وقالوا: هؤلاء الحنابلة قصدهم الفتنة، واعتقادهم

(1) يعني من أجل ذكر الإمام أبي حنيفة.

(2) يعني أنهم كانوا يجمعون الناس من غير اختيارهم، فكان بعضهم ينام، وكان البعض يحضر وقلبه غير حاضر.

1518

يخالف اعتقادنا، ونحو هذا، فبعث الأسرى (1) فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر وخزانة، وذرابزين، وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية وكسروا منبر الحافظ، ثم إن الحافظ ضاق صدره ومضى إلى بَعْلَبَك، فأقام بها مدة، فقال له أهلها: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذي من أذاك، فقال: لا، وتوجه إلى مصر فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث، وكنت أنا بمصر، فجاء شاب من دمشق بفتاوٍ إلى صاحب مصر الملك العزيز ومعه كُتُب أن الحنابلة يقولون كذا وكذا مما يُشْتَعون به عليهم، فقال - وكان يتصيد -: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة، فاتفق أنه عدا به الفرس، فشب به فسقط فخُصِفَ صدره، وبقي الحافظ بمصر، وهم ينالون منه، حتى عزم الملك الكامل على إخراجه، واعتُقل في دار أسبوعاً، فسمعت أبا موسى يقول: سمعت أبي يقول: ما وجدت راحة في مصر مثل تلك الليالي. قال: وكانت امرأة في دار إلى جانب تلك الدار، فسمعتها تبكي، وتقول: بالسّر الذي أودعته قلب موسى حتى قوي على حمل كلامك. قال: فدعوت به فخلصت تلك الليلة. [2] قلت: وذكر أبو المظفر الواعظ في «مرآة الزمان» قال: كان الحافظ عبد الغني يقرأ الحديث بعد الجمعة، قال: فاجتمع القاضي محيي الدين، والخطيب ضياء الدين، وجماعة، فصعدوا إلى القلعة، وقالوا لواليها: هذا قد أضل الناس، ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلساً، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع منها: قوله: (لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول)، ومنها: (كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان)، ومنها: مسألة الحرف والصوت، فقالوا: إذا لم يكن على ما كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه عن حقيقة النزول فقد جوزت عليه الانتقال، وأما الحرف والصوت فلم يصح عن إمامك، وإنما قال:

(1) هكذا في الأصل وفي الذيل لابن رجب، والظاهر أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من الشرطة أو الجيش.

1519

إنه كلام الله، يعني غير مخلوق، وارتفعت الأصوات، فقال والي القلعة الصارم

برغش: كل هؤلاء على ضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر بكسر منبره.

قال: وخرج الحافظ إلى بَعْلَبَك، ثم سافر إلى مصر إلى أن قال: فأفتى فقهاء

مصر بإباحة دمه، وقالوا: يفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم، فكتب الوزير

بنفيه إلى المغرب، فمات الحافظ قبل وصول الكتاب.

[١] وقال أيضاً: وفي ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمس مئة كان ما اشتهر من

أمر الحافظ عبد الغني وإصراره على ما ظهر من اعتقاده وإجماع الفقهاء على

الفتيا بتكفيره، وأنه مُبْتَدِعٌ لا يجوز أن يُتْرَكَ بين المسلمين، فسأل أن يُمهَل ثلاثة

أيام لينفصل عن البلد فأجيب.

[٢] قلت: قد بلوت على أبي المظفر المُجَازِفَة وقِلَّة الوَرَع فيما يُؤرِّخه والله

الموعد، وكان يَتَرَقَّص، رأيت له مُصَنِّفاً في ذلك فيه دواء، ولو أجمعت الفقهاء

على تكفيره كما زعم لما وسعهم إبقاؤه حياً، فقد كان على مقالته بدمشق أخوه

الشيخ العماد والشيخ موفَّق الدين، وأخوه القدوة الشيخ أبوعمر، والعلامة شمس

الدين البخاري، وسائر الحنابلة، وعدة من أهل الأثر، وكان بالبلد أيضاً خَلْق

من العلماء لا يكفرونه، نعم ولا يُصَرِّحون بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه، ولو

كف عن تلك العبارات، وقال بما وردت به النصوص لأجاد ولسلم، فهو الأولى،

فما في توسيع العبارات المُوهمة خير، وأسوأ شيء قاله أن ضلل العلماء

الحاضرين، وأنه على الحق، فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء، رحم الله

الجميع وغفر لهم، فما قصدهم إلا تعظيم الباري عز وجل من الطرفين، ولكن

الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب

السلف رضي الله عنهم.

وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم والتأله والصدع بالحق،

1520

ومحاسنه كثيرة، فنعوذ بالله من الهوى والمراء والعصبية والافتراء، ونبرأ من كل

مُجَسِّم وَمُعَطِّل.

من فراسة الحافظ وكراماته:

قال الحافظ الضياء: سمعت الحافظ أبا موسى بن عبد الغني يقول: كنت

عند والدي بمصر، وهو يذكر فضائل سُفيان الثوري، فقلت في نفسي: إن

والدي مثله، فالتفت إلي، وقال: أين نحن من أولئك؟

سمعت أبا موسى ابن الحافظ، حدثني أبو محمد أخو الياسميني، قال:

كنت يوماً عند والدك، فقلت في نفسي: أشتهي لو أن الحافظ يعطيني ثوبه حتى

أكفن فيه. فلما أردت القيام خلع ثوبه الذي يلي جسده وأعطانيه، وبقي الثوب

عندنا كل من مرض تركوه عليه فيُعافى.

حدثني فضائل بن محمد بن علي بن سرور بجماعيل، حدثني ابن عمي

بدران بن أبي بكر، قال: كنت مع الحافظ يعني في الدار التي وقفها عليه يوسف

المسجف، وكان الماء مقطوعاً، فقام في الليل، وقال: املا لي الإبريق،

فقضى الحاجة، وجاء فوقف، وقال: ما كنت أشتهي الوضوء إلا من البركة، ثم

صَبَرَ قليلاً فإذا الماء قد جرى، فانتظر حتى فاضت البركة، ثم انقطع الماء،

فتوضأ، فقلت: هذه كرامة لك، فقال لي: قل: أستغفر الله، لعل الماء كان

محتبساً، لا تقل هذا.

وسمعت الرضي عبد الرحمان يقول: كان رجل قد أعطى الحافظ جاموساً في

البُحرة فقال لي: جيء به وبعه، فمضيت فأخذته فنفر كثيراً وبقي جماعة

يضحكون منه، فقلت: اللهم ببركة الحافظ سهل أمره فسُقته مع جاموسين،

فسهل أمره، ومشى فبعته بقرية.

1521

[١] وفاته:

سمعت أبا موسى يقول: مرض أبي في ربيع الأول مرضاً شديداً منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يوماً، وكنت أسأله كثيراً: ما يشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار فمد يده فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله قم صل بنا وخفف، فصليت بالجماعة، وصلى جالساً، ثم جلست عند رأسه، فقال: اقرأ يس، فقرأتها، وجعل يدعو وأنا أؤمن، فقلت: هنا دواء تشربه، قال: يا بني ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه، فقلت: ما أنت عني براض؟ قال: بلى والله، فقلت: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء، قلت: توصيني؟ قال: أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقامت لأناول رجلاً كتاباً من جانب المسجد فرجعت وقد خرجت روحه، رحمه الله، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ست مئة، وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد واجتمع الخلق من الغد فدفناه بالقرافة. قال الضياء: تزوج الحافظ بخالتي رابعة ابنة خاله الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة، فهي أم أولاده محمد وعبدالله وعبدالرحمان وفاطمة، ثم تسرى بمصر. قلت: أولاده علماء.

من المنامات:

أورد له الشيخ الضياء عدة منامات منها:

[٢] سمعت الرضي عبد الرحمن بن محمد يقول: رأيت كأن قائلاً يقول: جاء الحافظ من مصر، فمضيت أنا والشيخ أبو عمرو العز ابن الحافظ إليه، فجئنا

1522

إلى دار فُفْتَحَ الباب: فإذا الحافظ وعلى وجهه عمود من نور إلى السماء، وإذا والدته في تلك الدار.

[١] سمعتُ الشيخ الصالح غشيم بن ناصر المصري قال: لما مات الحافظ كنت بمكة، فلما قدمتُ قلت: أين دُفن؟ قيل: شرقي قبر الشافعي، فخرجتُ، فلقيتُ رجلاً، فقلت: أين قبر عبد الغني؟ قال: لا تسألني عنه، ما أنا على مذهبه ولا أحبّه، فتركته، ومشيت، وأتيت قبر الحافظ، وترددت إليه، فأنا بعض الأيام في الطريق فإذا الرجل فسلّم علي وقال: أما تعرفني؟ أنا الذي لقيتك من مدة وقلت لك كذا وكذا، مضيت تلك الليلة فرأيت قائلاً يقول لي: يقول لك فلان وسمّاني: أين قبر عبد الغني؟ فتقول ما قلت؟! وكرّر القول عليّ، وقال: إن أراد الله بك خيراً فأنت تكون على ما هو عليه، ثم قال: فلو كنت أعرف منزلك لأتيتك.

[٢] سمعت أبا موسى ابن الحافظ، حدثني صنيعة الملك هبة الله بن حيدرة قال: لما خرجتُ للصلاة على الحافظ لقيني هذا المغربي (١) فقال: أنا غريب، رأيت البارحة كأنّي في أرض بها قوم عليهم ثياب بيض، فقلت: ما هؤلاء؟ قيل: ملائكة السماء نزلوا لموت الحافظ عبد الغني، فقلت: وأين هو؟ فقيل لي: اقعد عند الجامع حتى يخرج صنيعة الملك فامض معه، قال: فلقيته واقفاً عند الجامع.

[٣] سمعتُ الفقيه أحمد بن محمد بن عبد الغني سنة اثنتي عشرة يقول: رأيت البارحة أخاك الكمال عبد الرحيم - وكان توفّي تلك السنة - في النوم، فقلت: يا فلان أين أنت؟ قال: في جنة عدن، فقلت: أيما أفضل الحافظ أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، وأما الحافظ فكل ليلة جمعة ينصب له كرسي تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، ويُثَرُّ عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان

(١) كان رجلاً مغربياً معه، فهو يشير إليه.

1523

في كُمّه شيء.

[١] سمعتُ القاضي الإمام عمر بن علي الهكاري بنابلس يقول: رأيتُ الحافظ

كأنه قد جاء إلى بيت المقدس، فقلتُ: جئت غير راكب، فعل الله بمن جئت

من عندهم! قال: أنا حملني النبي صلى الله عليه وسلم.

1524

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080