نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١٩٩ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
١٩٩ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (ع) (١)
[١] ابْنُ حَزْنٍ، الْإِمَامُ الْعَلَمُ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، عَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،
وَسَيِّدُ التَّابِعِينَ فِي زَمَانِهِ. وُلِدَ لِسِتِّينَ مِضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ
مِمَّنْ بَرَزَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
[٢] عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَزْنٍ أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا أَتَى النَّبِيَّ
ﷺ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: حَزْنٌ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْمُ
سَمَّانِي بِهِ أَبْوَابِي وَعُرِفْتُ بِهِ فِي النَّاسِ، فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا زِلْنَا
تُعْرَفُ الْحُزُونَةُ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
[٣] هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَمُرَاسَلٌ سَعِيدٌ مُحْتَجٌّ بِهَا. لَكِنْ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِالْحِجَّةِ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَرْوِيٌّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، مُتَّصِلٍ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لَهُ: مَا
اسْمُكَ؟ قَالَ: حَزْنٌ. قَالَ: أَنْتَ سَهْلٌ فَقَالَ لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي. قَالَ سَعِيدٌ:
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ (٢).
[٤] عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مَا فَاتَتْنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
[٥] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: مَا أُذِّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ
ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ.
عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: هُوَ وَاللَّهِ أَحَدُ الْمُفْتِينَ.
[٦] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: حَجَجْتُ أَرْبَعِينَ حِجَّةً.
[٧] كَانَ سَعِيدٌ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي مَجْلِسِهِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
[٨] قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنْ كُنْتُ لِأَسِيرُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
(١) انظر السير: ٤/٢١٧-٢٤٦.
(٢) وَالْحَزْنُ: مَا غَلَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ ضِدُّ السَّهْلِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْخَلْقِ، يُقَالُ: فُلَانٌ حَزُونٌ، أَيْ فِي خَلْقِهِ غَلَطَةٌ
وَقَسَاوَةٌ.
370
[١] وعن قدامة بن موسى، قال: كان ابن المسيب يُفتي والصحابة أحياء.
عن مكحول، قال: سعيد بن المسيب عالم العلماء.
ميمون بن مهران، قال: أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها، فدُفِعتُ إلى
سعيد بن المسيب. قلت: هذا يقوله ميمون مع لقيه لأبي هريرة وابن عباس. [٢] عن مالك، قال: كان عمر بن عبدالعزيز لا يقضي بقضية - يعني وهو أمير المدينة - حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنساناً يسأله، فدعاه، فجاء فقال عمر له: أخطأ الرسول، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك. وكان عمر يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه، وكنت أوتي بما عند سعيد بن المسيب.
فصل في عزة نفسه وصدعه بالحق
[٣] عن عمران بن عبدالله بن طلحة الخزاعي، قال: حج عبد الملك بن مروان، فلما قدم المدينة، ووقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلاً يدعوه ولا يحركه، فأتاه الرسول وقال: أجب أمير المؤمنين، واقف بالباب يريد أن يكلمك. فقال: ما لأمير المؤمنين إلي حاجة، وما لي إليه حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية، فرجع الرسول، فأخبره فقال: ارجع فقل له: إنما أريد أن أكلمك، ولا تحركه. فرجع إليه، فقال له: أجب أمير المؤمنين. فرد عليه مثل ما قال أولاً. فقال: لولا أنه تقدم إلي فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا! فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيراً، فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض، فأتاه فأخبره، فقال: رحم الله أبا محمد أبي إلا صلابة.
قلت: كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم. وكان
لا يقبل عطاءهم.
[٤] عن ابن شهاب، قلت لسعيد بن المسيب: لو تبديت، وذكرت له البادية وعيشها
والغنم، فقال: كيف بشهود العتمة.
371
[١] الواقدي: حدثنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان سعيد أيام الحرة في المسجد لم يخرج، وكان يصلي معهم الجمعة ويخرج في الليل، قال: فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذاناً يخرج من قبل القبر حتى أمن الناس.
ذكر محنته
[٢] الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس. فضربه ستين سوطاً. فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه.
وعن عبد الواحد بن أبي عون، قال: كان جابر بن الأسود عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه، والله ما ربعت على كتاب الله، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليالٍ فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيراً حتى قُتل ابن الزبير.
[٣] الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر سنة أربع وثمانين، فعقد عبد الملك لابنيه: الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعامله يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة، فبايعوا، وأبى سعيد بن المسيب أن يبايع لهما وقال: حتى أنظر، فضربه هشام ستين سوطاً، وطاف به في ثبان من شعر، حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال: أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن. فقال: والله لولا أني ظننته الصلب، ما لبست هذا الثبان أبداً. فردوه إلى السجن، فحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه. فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد، كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده خلاف.
372
[١] عن قتادة، قال: أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس ثيَّانَ شعر وأقيم في الشمس، فقلت لقائدي: أدبني منه فأدناني فجعلت أسأله خوفاً من أن يفوتني، وهو يجيبني حِسْبَةً والناس يتعجَّبون.
[٢] عن ابن المسيب قال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم.
تزويجه ابنته
[٣] وقال أبو بكر بن أبي داود: كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه الوليد، فأبى عليه، فلم يزل يحتال عبد الملك عليه حتى ضربه مئة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف.
عن ابن أبي وداعة - يعني كثيراً - قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياما، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت؟ توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، ثم قال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا. فقلت: وتفعل؟ قال: نعم، ثم تحمد، وصلى على النبي ﷺ، وزوجني على درهمين - أو قال: ثلاثة - فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين.
فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلي، وكنت وحدي صائماً، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد، فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فأتيك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب، ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت
373
مِنَ الْبَابِ ثُمَّ وَضَعْتُ الْقَصْعَةَ فِي ظِلِّ السَّرَاجِ لِكَيْ لَا تَرَاهُ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّطْحِ فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ، فَجَاؤُونِي فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ. وَنَزَلُوا إِلَيْهَا، وَبَلَغَ أُمِّي، فَجَاءَتْ وَقَالَتْ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ مَسِسْتُهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ بِهَا، فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَعْرِفُهُمْ بِحَقٍّ زَوْجٍ. فَمَكَثْتُ شَهْرًا لَا آتِي سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي خَلْقَتِهِ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرِي. قَالَ: مَا حَالُ الْإِنْسَانِ؟ قُلْتُ: خَيْرٌ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيقَ، وَيَكْرَهُ الْعَدُوُّ. قَالَ: إِنْ رَابَكَ شَيْءٌ فَالْعَصَا. فَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَوَجَّهَ إِلَيَّ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: ابْنُ أَبِي وَدَاعَةَ هُوَ كَثِيرُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ.
قُلْتُ: هُوَ سَهْمِي مَكِّيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ الْمُطَّلِبِ أَحَدُ مَسْلَمَةَ الْفَتْحِ.
وَمِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالتَّعْبِيرِ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا، أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَخَذَتْهُ أَسْمَاءُ عَنْ أَبِيهَا، ثُمَّ سَاقَ الْوَاقِدِيُّ عِدَّةَ مَنَامَاتٍ وَمِنْهَا:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ قُلَيْعٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَوْمًا، وَقَدْ ضَاقَتْ بِي الْأَشْيَاءُ، وَرَهْقَنِي دَيْنٌ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَخَذْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَأَضْجَعْتُهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَبَطَحْتُهُ فَأَوْتَدْتُ فِي ظَهْرِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ. قَالَ: مَا أَنْتَ رَأَيْتَهَا. قَالَ: بَلَى. قَالَ: لَا أُخْبِرُكَ أَوْ تُخْبِرَنِي قَالَ: ابْنُ الزُّبَيْرِ رَآهَا، وَهُوَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ. قَالَ: لَئِنْ صَدَقْتَ رُؤْيَاهُ قَتْلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَخَرَجَ مِنْ صُلْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يَكُونُ خَلِيفَةً. قَالَ: فَرَحَلْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالشَّامِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسُرَّ، وَسَأَلَنِي عَنْ سَعِيدٍ وَعَنْ حَالِهِ فَأَخْبَرْتُهُ. وَأَمَرَ بِقَضَاءِ دَيْنِي وَأَصَبْتُ مِنْهُ خَيْرًا.
374
وحدّثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم الحنّاط، قال رجل لابن المسيّب: رأيتُ أني أبول في يدي، فقال: اتق الله، فإن تحتك ذات محرم، فنظر، فإذا امرأة بينهما رضاع.
وقال له رجل: إني رأيتُ كأنّ حمامةً وقعتْ على المنارة، فقال: يتزوّج الحجّاج ابنة عبدالله بن جعفر.
وبه عن ابن المسيّب قال: الكبّل في النّوم ثباتٌ في الدّين. وقيل له: يا أبا محمد، رأيتُ كأنّي في الظّل، فقمتُ إلى الشمس. فقال: إن صدقت رؤياك، لتخرّجنّ من الإسلام. قال: يا أبا محمد، إني أراني أخرجتُ حتى أدخلتُ في الشمس، فجلست. قال: تُكرّه على الكفر. قال: فأسر وأكره على الكفر، ثم رجع، فكان يُخبر بهذا بالمدينة.
وحدّثنا عبدالله بن جعفر عن عبيد الله بن عبدالرحمن بن السائب، قال رجل لابن المسيّب: إنه رأى كأنّه يخوضُ النّار. قال: لا تموتُ حتى تركبَ البحر، وتموتَ قتيلاً. فركبَ البحر، وأشفى على الهلكة، وقُتل يوم قُديد (1). روى هذا الفصل ابنُ سعد في (الطبقات) عن الواقدي.
عن عمران بن عبدالله، قال: رأى الحسن بن عليّ كأن بين عينيه مكتوب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فاستبشر به، وأهلُ بيته، فقصوها على سعيد بن المسيّب، فقال: إن صدقت رؤياه فقلّما بقي من أجله، فمات بعد أيام.
ومن كلامه
[1] عن سعيد بن المسيّب، قال: ما أيسَ الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. [2] وقال: ما أصلي صلاةً إلا دعوتُ الله على بني مروان. [3] قال: لا تقولوا مُصيحَف، ولا مُسيجد، ما كان لله فهو عظيمٌ حسنٌ جميل.
(1) قديد: موضع بين مكة والمدينة، فيه كانت الوقعة سنة ١٣٠هـ بين أهل المدينة وبين أبي حمزة الخارجي فقتل منهم مقتلة عظيمة.
375
[١] لا خير فيمن لا يُريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن
الناس.
[٢] عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه اشتكى عينه فقالوا: لو خرجت إلى
العقيق فنظرت إلى الخضرة، لوجدت لذلك خفة، قال: فكيف أصنع بشهود العتمة
والصبح.
[٣] عن ابن حرملة، قلت لبرد مولى ابن المسيب: ما صلاة ابن المسيب في بيته؟
قال: ما أدري، إنه ليصلي صلاة كثيرة إلا أنه يقرأ بـ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
[٤] عاصم بن العباس الأسدي، قال: كان سعيد بن المسيب يذكر ويخوف.
وسمعته يقرأ في الليل على راحلته فيكثر، وسمعته يجهر بسم الله الرحمن الرحيم،
وكان يحب أن يسمع الشعر، وكان لا ينشده، ورأيته يمشي حافياً وعليه بت (١) ورأيته
يحفي شاربه شبيها بالحلق، ورأيته يصفح كل من لقيه، وكان يكره كثرة الضحك.
[٥] قال برد مولى ابن المسيب لسعيد بن المسيب، ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء
قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يصلي أحدهم الظهر، ثم لا يزال صافاً رجليه حتى
يصلي العصر. فقال: ويحك يا برد أما والله ما هي بالعبادة، إنما العبادة التفكر في
أمر الله، والكف عن محارم الله.
[٦] قال سعيد بن المسيب: قلة العيال أحد اليسرين.
[٧] علي بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه
هذا الرجل وإلى جسده فقام، وجاء قال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض، فقال
سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة والزبير وعلياً رضي الله عنهم، فتهيئه فأبى
فدعوت الله عليك، قلت: إن كنت كاذباً فسود الله وجهك، فخرجت بوجهه قرحة،
فاسود وجهه.
[٨] عن يحيى بن سعيد، قال: سئل سعيد بن المسيب عن آية، فقال سعيد: لا
أقول في القرآن شيئاً. قلت: ولهذا قل ما نقل عنه في التفسير.
(١) البيت: الطيلسان من خز ونحوه.
376
ذكر مرضه ووفاته
[١] عبد الرحمن بن حرملة، قال: دخلتُ على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يُصلِّي الظهر، وهو مستلقٍ يومي إيماء، فسمعته يقرأ بالشمس وضحاها.
[٢] عن ابن حرملة، قال: كنتُ مع ابن المسيب في جنازة، فقال رجل: استغفروا لها. فقال: ما يقول راجزهم فقد حرجتُ على أهلي أن يرجز معي راجز، وأن يقولوا: مات سعيد بن المسيب، حسبي من يقلبني إلى ربي، وأن يمشوا معي بمجمر، فإن أكن طيباً، فما عند الله أطيب من طيبهم.
[٣] محمد بن عمر، حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، شهدتُ سعيد بن المسيب يوم مات سنة أربع وتسعين، فرأيتُ قبره قد رشَّ عليه الماء، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
377